علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

124

سيد قطب

--> - يمكن القول بشكل عامّ : إنّ نقاط الارتكاز التي يمكن وضع اليد عليها بحثاً عن النسيج التفسيري التاريخي في « الظلال » هي تلك السور التي تنزّلت مساحات واسعة منها لكي تتحدّث عن هذه المعركة أو تلك من معارك عصر الرسالة ، فتغطّي جانباً من مُجرياتها ، وتلامس أحداثها ، وتعلّق على وقائعها ؛ لكي تمنح الجماعة الإسلامية خِبرات حيّة مستمدّة من صميم التجربة التي يصنعونها ويعيشونها . وهذه السور هي وفق التسلسل التاريخي للأحداث التي تعاملت معها : الأنفال ( عن معركة بدر ) ، آل عمران ( عن معركة أُحُد ) ، الحشر ( عن معركة بني النضير ) ، الأحزاب ( عن معركة الخندق ) ، الفتح ( عن صلح الحديبية ) ، والتوبة ( عن معركة تبوك ) . طبعاً أنّ هناك قطعاً أُخرى عن أحداث السيرة ووقائعها مُنبثّة في ثنايا القرآن ، ولكنّنا نُشير هنا إلى المساحات الأوسع فحسب . في تفسيره لسورة الأنفال باعتبارها تناولت أوّل معركة حاسمة بين الإيمان والكفر ، يقف سيّد طويلًا لطرح وتحليل نظرية الجهاد الإسلامي ، فيخصّص لها أربعاً وثلاثين صفحة شكّلت فيما بعد موضوعاً مستقلّاً في كتاب « المعالم » ، وقد اقتبس خلالها قطعة واسعة من كتاب أبي الأعلى المودودي « الجهاد في سبيل اللَّه » ، كما أنّه اعتمد في البداية على ذلك التلخيص الذي قدّمه الإمام ابن القيّم عن سياق الجهاد في الإسلام في « زاد المعاد » . ويكاد يكون هذا التحليل للجهاد أدقّ تحليل لذلك المبدأ الإسلامي الخطير ، وأكثرها نفاذاً ، وأشملها رؤيةً ، وأقدرها على استكناه الروح الحقيقية التي تسري في نسيج هذه الفاعلية ودمها وعصبها وشرايينها ، مستمدّة من الرؤية القرآنية ومعطيات السيرة ، بعيداً عن الإسقاطات الخاطئة المضلّلة التي أُلحقت بالجهاد فيما بعد مكراً أو جهلًا . والجهاد على ذلك واحد من المفاتيح الكبيرة التي ( تفسّر ) الكثير من وقائع التاريخ ، وتُلقي الضوء على مُعطياته وهي تنمو وتتطوّر ، أو تنكمش وتضمحل وتزول . . ليس تاريخ الرسالة وحدها ، ولا تاريخ عصر الراشدين وحده ، ولكنّه كلّ تاريخ تكون فيه مواجهة بين الإسلام والخصوم . ولن يتّسع المجال هنا بطبيعة الحال لاستعراض أو حتّى لتلخيص هذا المنظور المتماسك لمفهوم الجهاد ، ويكفي أن نُحيل القارئ إليه . -