علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

125

سيد قطب

--> - يمضي سيّد - بعد ذلك - لكي يستعرض وقائع معركة بدر ومُلابساتها من أجل تهيئة الأرضية التي سيُقيم عليها تفسيره للمُعطيات القرآنية عن هذا الحدث الحاسم ( وسنرجع إلى ذلك مرّة أُخرى لدى الحديث عن مُعطيات سيّد كباحث في التاريخ الإسلامي ) . ثمّ يختم استعراضه ذلك بقوله : « في هذه الغزوة التي أجملنا عرضها بقدر المستطاع نزلت سورة الأنفال ، نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة ، وتعرض وراءها فعل القدرة المدبّرة ، وتكشف عن قدر اللَّه وتدبيره في وقائع الغزوة وفيما وراءها من خطّ سير التاريخ البشري كلّه » . وكعادته عبر منهجه التفسيري ذي الرؤية الشمولية يقدّم الرجل عرضاً للخطوط الرئيسة للسورة ، ثمّ يختتم العرض بقوله : « لقد كانت هذه الغزوة هي أوّل وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين ، فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة . ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية ، لقد كانوا إنّما خرجوا ليأخذوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المهاجرين من ديارهم وأموالهم ، فأراد اللَّه للعصبة المسلمة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة ، أراد لها أن تنفلت منها القافلة ، وأن تلقى عدوّها من عتاة قريش الذين جمّدوا الدعوة في مكّة ومكروا مكرهم لقتل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى . . لقد أراد اللَّه سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقاناً بين الحقّ والباطل ، وفرقاناً في خطّ سير التاريخ الإسلامي ، ومن ثَمّ فرقاناً في خطّ سير التاريخ الإنساني . وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم ، وتدبير ربّ البشر لهم ولو كرهوه في أوّل الأمر . كما أراد أن تتعلّم العصبة المؤمنة عوامل النصر وعوامل الهزيمة ، وتتلقّاها مباشرة من يد ربّها ووليّها وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها . . وتضمّنت السورة التوجيهات المُوحِيَة إلى هذه المعاني الكبيرة مصوغة في أُسلوب التوجيه المربّي الذي ينشِئ التصوير الاعتقادي ، ويجعله هو المحرّك الأوّل والأكبر في النشاط الإنساني ، وهذه هي سِمَة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها » . . واستطرد السياق أحياناً إلى صور من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحياة أصحابه في مكّة ، وهم قلّة مُستَضعَفون في الأرض ، يخافون أن يتخطّفهم الناس . . ذلك ليذكروا فضل اللَّه عليهم في ساعة النصر ، ويعلموا أنّهم إنّما يُنصَرون بنصر اللَّه وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة . . واستطرد إلى صور -