علي أحمدي ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
121
سيد قطب
--> - وقرون أُخَر كان عليها أن تمضي قبل أن يأتي مَن يواصل الطريق الذي اعتقد ابن خلدون خطأً أنّه شقّه لأوّل مرّة . إنّ هذه الرؤية المنهجية البكر في فهم التاريخ والتعامل معه لهي واحدة من عجائب القرآن التي لا تنقضي ، وإنّ القول بها أو الكشف عنها أو التأكيد عليها في بيئة فكرية لم تكن قد بلغت النضج الذي يؤهّلها لإفراز مقولات كهذه كما يتوهّم الماديّون ليدلّ بوضوح على الصيغة الفوقية التي تَسِم كتاب اللَّه ، وعلى الانفصال المحتوم - إذا صحّ التعبير - بين معطيات اللَّه الشاملة وبين أفكار الناس الجزئية القاصرة المحدودة . . « والذين يأخذهم الدهش والعجب - يقول سيّد - للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمّدية ، وهي فترة لا تكفي إطلاقاً لحدوث تطوّر فُجائي في الأوضاع الاقتصادية ، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب لو أنّهم حوّلوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ، ليبحثوا عن السرّ في هذا المنهج الرّباني الجديد الذي جاءهم به محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من عند اللَّه العليم الخبير . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة ، وفيه يكمن السرّ الذي يبحثون عنه طويلًا عند الإله الزائف الذي أقامته المادّية حديثاً ، إله الاقتصاد ، وإلّا فأين هو التحوّل الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية الذي ينشأ من التصوّرات الاعتقادية ، ونظام الحكم ، ومناهج الفكر ، وقيم الأخلاق ، وآماد المعرفة ، وأوضاع المجتمع ، كلّ هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ؟ » . في ختام تفسير سيّد لهذه الآية ذات الدلالة : ( أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ) [ سورة الأنعام 6 : 6 ] ، ينفذ سيّد الرؤية الإسلامية لتفسير التاريخ ، سيّما وأنّ منطوق هذه الآية يتّفق مع حشود من الآيات والمقاطع القرآنية عبر كتاب اللَّه من أقصاه إلى أقصاه . فهو من ثَمّ مؤكّد ، يملك ثقله الكبير ودلالته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها : « إنّ هذا النصّ في القرآن ( فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) وما يماثله ، وهو يتكّرر كثيراً في القرآن كريم ، إنّما يقرّر حقيقة أنّ الذنوب تهلك أصحابها ، وأنّ اللَّه هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ، وأنّ هذه سُنّة ماضية - ولو لم يَرَها فرد في عمره القصير أو جيل في أجله المحدود - ولكنّها سُنّة تصير إليها الأُمم حين -