مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )
79
رجالات التقريب
وليس صحيحا أن الاسلام ينتقض من أهلية المرأة في الميراث وفي الشهادة فوضع الرجل والمرأة في الميراث لا علاقة له بالانسانية التي يشتركان فيها على سواء . . وكذلك الشهادة فقوله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ) ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم ، وإنما هو وارد في مقام الارشاد إلى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ، وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ) ، إلى أن قال ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) . فالمقام مقام استيثاق على الحقوق ، ولا مقام قضاء بها . والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهما . وليس معنى هذا أن شهادة المرأة بواحدة أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل ، لا يثبت بها الحق ، ولا يحكم بها القاضي فان أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة . وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة ، وأن كل ما يتبين به الحق يظهره ، وهو بينه يقضي بها القاضي ويحكم . ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها . واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس نقص عقلها الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون آثراً له ، وإنما لأن المراة - كما قال الشيخ عبده « ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، ومن طبع البشر عامة أن يقوي تذكرهم للأمور التي تهمهم ويمارسونها ويكثر اشتغالهم بها » . والآية جاءت على ما كان مألوفا في شأن المرأة ، ولا يزال أكثر النساء كذلك لايشهدن مجالس المدنيات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات ، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصل الذي تقضي به طبيعتها في الحياة . وإذا كانت الآية ترشد إلى إكمال وجوه الاستيثاق وكان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات كان لهم الحق في الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه . هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها وهي القضايا التي تجر العادة باطلاع الرجل على موضوعاتها كالولادة والبكارة وعيوب النساء في القضايا الباطنية ، وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها ، وما لنا نذهب بعيدا وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء في شهادت اللعان وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقوله