السيد هادي الخسروشاهي
38
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
مبلغها ، وأكثرت الجرائد من القول في المسألة ، فمنها نصراء للشيخ جمالالدين ، ومنها أعوان لشيخ الاسلام ، فأشار بعض أصحاب السيد عليه أن يلزم السكون ويغضي على الكريهة ، وطول الزمان يتكفّل باضمحلال الإشاعات وضعف أثرها ، فلم يقبل ولجّ في طلب المخاصمة ، فعظم الأمر ، وآل إلى صدور أمر الصدارة اليه بالجلاء عن الآستانة بضعة أشهر حتى تسكن الخواطر ويهدأ الاضطراب ، ثم يعود إن شاء ، ففارق الآستانة مظلوماً في حقّه مغلوباً لحدته « 1 » وحمله بعض من كان معه على التحول إلى مصر ، فجاء
--> ( 1 ) . قال الأستاذ أبو رية في مجلة العربي : لما ضاق الظالمون والمستعمرون به ذرعاً ، بعد أن سعّرها عليهم ناراً تلظى ، لم يجدوا مناصاً من أن يأتمروا به ، ليستريحوا منه ، فدبّر لهم الطغيان ممثلًا في شخص عبد الحميد الذي كان سلطاناً على الدولة العثمانية ، وإمامه الأكبر « أبي الهدى الصيادي » شيخ الطريقة الرفاعية ، وصاحب الكلمة العليا في بلاط السلطان . وقد نشأ التفكير في تدبير هذه المؤامرة عندما كان السيد جمالالدين في باريس يحرّر هووالاستاذ الإمام محمد عبده صحيفة « العروة الوثقى » ، إذ علم السلطان عبد الحميد أنّ السيد جمالالدين متصل بأعضاء جمعية « تركيا الفتاة » التي كانت تعمل على خلعه ، وتخليص تركيا من طغيانه ، وبخاصة لمّا رأى أنّ العروة الوثقى تنوّه بهذه الجمعية ، وأنّ السيد جمالالدين يسمّيها « الجمعية الصالحة » ويباركها ويدعوالله لها بالتوفيق في عملها . ثم ازداد مقت السلطان وغضبه عليه عندما جاءته شكوى من شاه إيران بأنّ السيد جمالالدين يشهر بأعماله الظالمة في بلاده ، ويؤلّب صحف أوروبة عليه ، ويطلب من السلطان عبد الحميد أن يعمل ما استطاع على إزالة هذا الكابوس الذي يجثم على صدر كلّ حاكم ظالم ، وأنّه إذا لم يتدارك الأمر اليوم فإنّ النار ستندلع حتى تصل إلى الآستانة . ولم تكد هذه الشكوى تصل إلى السلطان عبد الحميد حتى تولّاه الذعر والهلع ، وأخذ هووهامانه أبو الهدى ، وحاشيته ، في تنفيذ ما ائتمروا به . وكان أول شيء فعلوه أن سعوا في اجتذاب السيد جمالالدين إلى الآستانة - وكان حينئذ في لندن - حتى يكون أدنى إلى المقصلة ، فبعث إليه السلطان بخطاب خلّاب طلب فيه أن يأتي إلى الآستانة . فأبى السيد في أول الأمر أن يستجيب له ، فعاد السلطان وعزّز خطابه الأول بخطاب أكثر مداهنةً واستعطافاً ، ووعده فيه بأن يعود إلى أوروبا بعد « الحظوة » بالمقابلة ! فخدع السيد وأجاب الدعوة ، وهولا يعلم ما خبّأه له القدر من كيد السلطان وحزبه ! وما كاد يصل إلى الآستانة ، حتى وضعوه في قفص من ذهب - كما وصف ذلك سائح الماني - ولم يمكّنوه من مغادرة البلاد . ولبثوا بعد ذلك يتحينون فرصة للفتك به إلى أن جرت مقابلة بين السيد الأفغاني وبين خديو مصر ، الخديو عباس حلمي ، فتذرّعوا بها للوصول إلى ما يضمرون ، فزعموا أنّ وراء هذه المقابلة مؤامرة خطيرة هي خلع الخلافة عن السلطان عبد الحميد ، وإعطاؤها إلى عباس حلمي خديو مصر ، وبذلك تصبح عباسية بعد أن كانت عثمانية . وجعلوا ثالث المتآمرين في ذلك السيد عبد الله نديم إذ عزوا إليه أنّه هو الذي جمع بين الخديوعباس وبين السيد جمالالدين . وقد روى هذا الأمر أحمد شفيق باشا المصري ، في كتابه « مذكراتي في نصف قرن » فقال : « إنّ الخديو عباس حلمي الثاني لمّا زار الآستانة في سنة 1893 للمرة الأولى بعد ولايته كان شديد الرغبة في مقابلة السيد جمالالدين الأفغاني ، لما كان يسمع عنه في مصر ، فأرسل اليه مصطفى أفندي الحصري المصري لتحديد موعد المقابلة ، فأفهمه السيد جمالالدين أنّ هذه المقابلة لن تكون إلّا بعد إذن السلطان ! فاستأذن الخديو السلطان غير مرة دون جدوى » . « وذات يوم بينما كان الخديوممتطيا جواده متنزهاً في الكاغد خانة قابل السيد جمالالدين ، وعرّفه بنفسه ، ومكثا نحوساعة يتجاذبان أطراف الحديث . فوصل الخبر إلى السلطان ، فأحضر لديه السيد جمالالدين وقال له : أتريد أن تجعلها عباسية ؟ ؟ ( اي يسند الخلافة إلى عباس ) ، فردّ عليه جمالالدين بأنّ الخلافة ليست خاتماً في إصبعه يضعه في أيّ مكان يريد ! ! ولكي يحكم المتآمرون تدبير مكيدتهم نشروا بين الناس هذين البيتين ، وأرجفوا بأنّ السيد جمالالدين قد أنشدهما لخديو ، وهما : شاد الخلافة في بني العباس عباس لكن نعته السفاح ولا نت خير مملك ستشيدها بالبشر يا عباس يا صفاح ولم يكد السيد عبد الله نديم يسمع هذين البيتين حتى عارضهما ببيتين على لسان أبي الهدى وهما : هي الخلافة أرجوها وترجوني فقد تربع فيها همودوني يا غوث يا جد قد آن الأوان لنا فأين وعدكما في خان شيخون