السيد هادي الخسروشاهي
37
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
أفندي ، فأنشأ خطاباً طويلًا كتبه قبل إلقائه وعرضه على وزير المعارف ، وكان صفوة باشا وعلي شرواني زاده وكان مشير الضابطية وعلي دولتومنيف باشا ناظر المعارف وكان عضواً في مجلس المعارف ، واستحسنه كلّ منهم وأطنب في مدحته ، فلمّا كان اليوم المعيّن لاستماع الخطاب تسارع الناس إلى دار الفنون واحتفل له جمّ غفير من رجال الحكومة وأعيان أهل العلم وأرباب الجرائد ، وحضر في الجمع معظم الوزراء ، وصعد السيد جمالالدين على منبر الخطابة وألقى ما كان أعدّه ، وأرسل حسن فهمي أفندي أشعة نظره في تضاعيف الكلام ليصيب منه حجة للتمثيل به وما كان يجدها لوطلب حقاً ولكن كان الخطاب في تشبيه المعيشة الانسانية ببدن حي وأنّ كلّ صناعة بمنزلة عضو من ذلك البدن يؤدي من المنفعة في المعيشة ما يؤديه العضو في البدن ، فشبه الملك مثلًا بالمخ الذي هو مركز التدبير والإرادة ، والحدادة بالعضد ، والزراعة بالكبد ، والملاحة بالرجلين ، ومضى في سائر الصناعات والأعضاء حتى أتى على جميعها ببيان ضاف واف . ثم قال : هذا ما يتألّف منه جسم السعادة الانسانية ، ولا حياة لجسم إلّا بروح ، وروح هذا الجسم إمّا النبوة وإمّا الحكمة ، ولكن يفرق بينهما بأنّ النبوة منحة إلهية لا تنالها يد الكاسب ، يختص الله بها من يشاء من عباده ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته . أمّا الحكمة فممّا يكتسب بالفكر والنظر في المعلومات ، وبأنّ النبي معصوم من الخطأ ، والحكيم يجوز عليه الخطأ بل يقع فيه ، وأنّ أحكام النبوات آتية على ما في علم الله ، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فالأخذ بها من فروض الايمان ، أمّا آراء الحكماء فليس على الذمم فرض اتّباعها إلّا من باب ما هو الأولى والأفضل على شريطة أن لا تخالف الشرع الإلهي . هذا ما ذكره متعلّقاً بالنبوة ، وهو منطبق على ما أجمع عليه علماء الشريعة الاسلامية ، إلّا أنّ حسن فهمي أفندي أقام من الحقّ باطلًا ليصيب غرضه من الانتقام ، فأشاع أنّ الشيخ جمالالدين زعم أنّ النبوة ضعة ، واحتجّ لتثبيت الإشاعة بأنّه ذكر النبوة في خطاب يتعلّق بالصناعة ( وهكذا تكون حجج طلاب العنت ) ، ثم أوعز إلى الوعّاظ في المساجد أن يذكروا ذلك محفوفاً بالتفنيد والتنديد ، فاهتم السيد جمالالدين للمدافعة عن نفسه وإثبات براءته ممّا رمي به ، ورأى أنّ ذلك لا يكون إلّا بمحاكمة شيخ الاسلام ( وكيف يكون ذلك ) واشتد في طلب المحاكمة ، وأخذت منه الحدّة