السيد هادي الخسروشاهي
34
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
أمّا خلقه فهو يمثّل لناظره عربياً محضاً من أهالي الحرمين ، فكأنّما قد حفظت له صورة آبائه الأولين من سكنة الحجاز حماه الله ، ربعة في طوله ، وسط في بنيته ، قمحي في لونه ، عصبي دموي في مزاجه ، عظيم الرأس في اعتدال ، عريض الجبهة في تناسب ، واسع العينين عظيم الأحداق ، ضخم الوجنات ، رحب الصدر ، جليل في النظر ، هشّ بشّ عند اللقاء ، قد وفّاه الله من كمال خَلقه ما ينطبق على كمال خُلقه . بقي علينا أن نذكر له وصفاً لوسكتنا عنه سئلنا عن أغفاله ، وهو أنّه كان في مصر يتوسّع في إتيان بعض المباحات كالجلوس في المتنزهات العامة ، والأماكن المعدة لراحة المسافرين ، وتفرّج المحزونين ، لكن مع غاية الحشمة وكمال الوقار . وكان مجلسه في تلك المواضع لا يخلو من الفوائد العلمية ، فكان بعيداً من اللغو منزّها عن اللهو ، وكان يوافيه فيها كثير من الأمراء وأرباب المقامات العالية وأهل العلم . وهذا الوصف ربما عدّه عليه بعض حاسديه ، لكن الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه ، وأيّ غضاضة على المرء المؤمن في أن يفرّج بعض همّه بما أباح الله له . هذا مجمل من أحوال السيد جمالالدين الأفغاني ، أتينا به دفعا لما افتراه عليه الجاهلون ، ولوسلكنا في تاريخه مسلك التفصيل لأدّى بنا إلى التطويل . ثم اتبع الشيخ محمد عبده ذلك بما كتبه سليم العنحوري تخطئة لنفسه فيما نقله في شرح سحر هاروت ، قال : والمطّلع على ما كتبناه يعلم خطأه في جلّ ما رواه ، وهذا ما نشره العنحوري في جريدة لسان الحال وغيرها بحروفه ، قال : لا يخفى أنّنا كنّا أتينا في حاشية كتابنا « سحر هاروت » على شيء من ترجمة الحكيم الشرقي الغزير المادة السيد جمالالدين الأفغاني الطائر الصيت ، وأبنا في عرض قصصنا لمحة مما تلقّيناه عن بعض المصريين والسوريين من سوء عقيدته ووهن دينه ، مما كان مدعاة أسفنا وباعث استغرابنا ، ثم أسعدنا البخت بأن التقينا تلك الأيام بصديقنا المحلّى بحلية الفضل ، الحائز قصب السبق في مضماري العقل والنقل ، الشيخ محمد عبده أعزّ أخلاء الحكيم المشار إليه ، فجال بيننا حديث أفضى إلى البحث بما يرويه عنه بعض الناس ، ورويناه نحن عنهم ، فأوضح لنا بدلائل ناهضة وبراهين داحضة أنّ ما تتناقله الألسن من هذا القبيل ما كان إلّا من آثار ما رماه بعض من غمرتهم أياديه فجاوزه