السيد هادي الخسروشاهي
33
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
أمّا منزلته من العلم وغزارة المعارف فليس يحدّها قلمي إلّا بنوع من الإشارة إليها : لهذا الرجل سلطة على دقائق المعاني وتحديدها وإبرازها في صورها اللائقة بها كأنّ كل معنىً قد خُلق له ، وله قوة في حلّ ما يعضل منها ، كأنّه سلطان شديد البطش فنظرة منه تفكّك عقدها ، كل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنّه صنع يديه ، فيأتي على أطرافه ويحيط بجميع أكنافه ، ويكشف ستر الغموض عنه فيظهر المستور منه ، وإذا تكلّم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها ، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع ، كان ذهنه عالم الصنع والابداع ، وله قدرة في الجدل وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيهما أحد إلّا أن يكون في الناس من لا نعرفه ، وكفاك شاهداً على ذلك أنّه ما خاصم أحداً إلّا خصمه ، ولا جادله عالم إلّا ألزمه ، وقد اعترف له الأوروبيون بذلك بعدما أقرّ له الشرقيون . وبالجملة فإنّي لو قلت : إنّ ما آتاه الله من قوة الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدّر لغير الأنبياء لكنت غير مبالغ ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . أمّا أخلاقه فسلامة القلب سائدة في صفائه ، وله حلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع ، إلى أن يدنو منه أحد ليمسّ شرفه أو دينه فينقلب الحلم إلى غضب تنقض منه الشهب فبينما هوحليم أوّاب إذا هو أسد وثّاب . وهوكريم يبذل ما بيده قوي الاعتماد على الله ، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر ، عظيم الأمانة ، سهل لمن لاينه صعب على من خاشنه ، طموح إلى مقصده السياسي الذي قدّمناه إذا لاحت له بارقة منه تعجّل السير للوصول إليه ، وكثيراً ما كان التعجّل علّة الحرمان ، وهوقليل الحرص على الدنيا بعيد من الغرور بزخارفها ، ولوع بعظائم الأمور عزوف عن صغارها ، شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنّه لا يعرفه ، إلّا أنّه حديد المزاج ، وكثيراً ما هدمت الحدّة ما رفعته الفطنة ، إلّا أنّه صار اليوم في رسوخ الأطواد وثبات الأفناد ، فخور بنسبه إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزاً أمنع من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر ، وبالجملة : ففضله كعلمه ، والكمال لله وحده .