السيد هادي الخسروشاهي
10
جمال الدين الحسيني ( داعية التقريب والتجديد الإسلامي )
وما أن وطأت قدما السيد أرض الكنانة حتى التفّ حوله الناس ، وخاصة طلاب الأزهر وأساتذته ، وبعض رجال الدولة ، لكنه لم يلبث إلّا قليلًا حتى شد رحاله إلى الآستانة ( تركيا ) هذه المرة ! فقد استقبل السيد استقبالًا حاراً ، ولم يمكث حتّى عين عضواً في المجلس الاعلى للمعارف ، فبدأ عند ذاك نشاطه الواسع على المستويين : الثقافي والسياسي ، فكان يركز في ندواته التي يعقدها هنا وهناك على تحرير الاسلام من التواكل ، والذهنية المسلمة من الخرافة ، وكان يدعو إلى العقلانية في الحكم والتطبيق . ولم يمض السيد طويلًا حتى واجه هجوماً عنيفا من بعض المتنفذين في الدولة العثمانية ، حتى اضطر السلطان إلى الطلب منه الرحيل مؤقتاً ريثما يهدأ الضجيج المثار ، فغادرها السيد نحو القاهرة سنة 1871 ، فاستقر به المقام فيها . وبدأ بالقاء محاضراته ودروسه فيها ، في مجال الفلسفة والفكر والعرفان ، على ثلة عريضة من طلبة علوم الأزهر . لقد أمضى السيد في مصر أخصب سنوات حياته ، وأكثرها نتاجاً وعطاءً وأثراً ، فاستطاع أن يحقّق ما كان يطمح إليه . فبدأ العمل على إصدار صحيفة ( مصر ) ثم ( التجارة ) و ( امرأة الشرق ) ، ولما وجد الإنجليز أن مصالحه في مصر مهددّة بما يحمله السيد تحت عباءته ! ضغطوا على الخديوي ليقتاده مكبّلًا بالحديد ليلًا ، ويهجّره قسراً مع أول شعاع الفجر من صيف عام 1879 م إلى « بومباي » بحراً . لكنّه لم يقطع علاقته بمصر من خلال تلامذته وأصدقائه ، فكان يأمل في الحركة العرابية لتعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي ، لكنه اصطدم بفشلها ، فلم يكن بدّاً إلّا التحرك لإعداد كوادر تمتلك المؤهلات لقيادة الأمة ، فبدأ بمشروعه الكبير في تأسيس جمعية اسلامية سرية أسماها ( العروة الوثقى ) ضمّ فيها الكثير من القادة والرجال المخلصين . ثم ارتحل السيد إلى « باريس » وبدأ نشاطه الفكري والتثقيفي هناك ، والبدء بمشروعه الكبير ، فالتحق به هناك عدة من طلابه وأصدقائه ، ومن أبرزهم الشيخ محمد عبده الذي كان منفياً - آنذاك - إلى بيروت . وفي غرفة صغيرة في احدى عمارات شارع « مارتل » أصدر السيد بالتعاون مع تلميذه عبده الأعداد الأولى من الجريدة ( العروة الوثقى ) التي تركت بصماتها واضحة على كلّ ذلك الجيل . لقد كان السيد على قناعة تامة بان اختلاف الاخوة لا يمكن ان يكبر شقّه إذا كانت هنالك نخبة مثقفة وواعية في البين ، تعمل على ردم كلّ هوة قد تحصل ، وتشدّ من « العروة » لتجعلها أكثر وثاقة .