سليمان دنيا

46

بين الشيعة وأهل السنة

ويجعل الثانية في مكانها الذي وضعها فيه صاحب الشريعة نفسه « 1 » . ثم يحاول أن يستبعد من مجال البحث والنظر كل ما من شأنه أن يفسده ، من عصبية أو هوى ، أو حب انتصار وغلب ، ولا يستبقى الا ما هو لازم للبحث العلمي النزيه من أدلة صحيحة وشواهد صادقة ، ثم يقول : إذا أمكن - في ضوء مجموعة الشواهد الصادقة والأدلة الصحيحة التي يملكها الطرفان المتنازعان - أن يصار إلى رأي واحد ، بدلا من عدة آراء ، فذلك دليل على أن المسألة ليست قابلة للاختلاف ، والاختلاف في هذه الحالة ليس الا تحديا ، لا للفريق الآخر وحده ، بل للدين نفسه أيضا ، الذي دل بالشواهد الكافية على وجهة نظر خاصة . فإذا لم يمكن أن يصار إلى رأي واحد - مع مراعاة ما أشرنا إليه من توخي الحق - كان ذلك معناه أن نصوص الشريعة تفسح صدرها لأكثر من رأي واحد . وفي هذا الحال ينبغي أن نفسح صدرنا - مثل ما أفسحت الشريعة صدرها - للرأي المخالف ، وأن نعتبر ذلك تيسيرا من الشارع الحكيم . ومالنا نذهب بعيدا ، ونبدئ ونعيد في المسألة ، كأنما هي مشكلة صادفتنا في هذه الأيام ولسنا ندري لها حلا ، مع أن لفتة يسيرة إلى الماضي كفيلة أن ترينا رأي أسلافنا فيها وسلوكهم العملي بإزائها ، فلقد اختلفوا ، ولكنهم لم يتعادوا بسبب اختلافهم ، ودعوا إلى الاتفاق في الرأي ان توافرت أسبابه ، واستقامت وسائله . ولقد مكنوا من فرض آرائهم

--> ( 1 ) حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم : « اختلاف أمتي رحمة » ، ويقول : « من اجتهد فأصاب فله اجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله اجر واحد . »