عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
33
الشيخ محمد الغزالي
--> لا تسكت عن حقّ ، ولا تتكلّم بباطل ، ولا تبيع ديناً بدنيا . ولكنّها لا تعرض لأشخاص بأسمائهم على المنبر ، ولا تعتمد الإثارة والتهييج في الموضوعات الحسّاسة ، بل تعالج أدقّ القضايا بمبضع الجرّاح ، متّبعاً ما أمر الدين به من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، ومستأنساً بما قاله السلف : « من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف » . وبالرغم من أنّ الغزالي الخطيب كان هو المسؤول عن الدعوة وشؤون المساجد في وزارة الأوقاف المصرية ، نراه يقول الحقّ وإن كان مرّاً ، لا يخشى في اللَّه لومة لائم ، وهذا ما أزعج السلطات التي تتوجّس من هذا النوع من الخطب التي تنير العقول بالحقائق ، قبل أن تثير المشاعر بالمبالغات . وانتهى الأمر بمنع الشيخ من الخطابة بمسجد عمرو . الدعوة بالقلم : على أنّ الشيخ الغزالي ليس داعية بلسانه فحسب ، بل هو داعية بقلمه كذلك ، حتّى إنّ أكثر الذين عرفوه - وأنا منهم - عرفوه أوّلًا من نتاج قلمه الذي بلغ إنتاجه اليوم نحو ستّين كتاباً . وهو صاحب قلم متميّز ببلاغته وروعة أُسلوبه وقوّة منطقه ، جنّده للدعوة من أوّل يوم ؛ لتوضيح معالم الإسلام ، وبيان حقائقه ، والردّ على أباطيل خصومه في الداخل ، وأعدائه في الخارج ، وإضاءة طريق البعث لأُمّته ؛ حتّى تعرف غايتها ، وتستبين طريقها ، بين أضاليل المضلّلين وشبهات المبطلين . ومن قرأ للغزالي أدرك أنّه أمام كاتب مقالة من الطراز الأوّل ، وأنّ القلم في يده أشبه بالسيف في يد ابن الوليد أو صلاح الدين ، فهو سيف اللَّه المسلول على أعدائه ، به يدافع ، وبه يهاجم ، وهو قوي في دفاعه ، قوي في هجومه ، دون أن يعتدي على أحد ، فإنّ اللَّه لا يحبّ المعتدين . ربّما كان عيب الشيخ الغزالي لدى بعض المتعالين والمتعالمين أنّه في غاية الوضوح ، وأنّه مفهوم لمن يقرؤه ، لا يجد قارئه معاناة في فهمه والنفوذ إلى فكره ، كما يجد ذلك فيما يقرأ لبعض المتفلسفين والمتكلّفين الذين يعمدون إلى الإغراب والرمز والغمز وتكثيف المصطلحات إلى حد الإلغاز والإخفاء والتجهيل ، ربّما ليخفوا أفكارهم المسمومة وراء هذه الأكنّة من التعابير الغامضة التي تحتاج أبداً إلى حواش لشرحها ، ويعدّون ذلك مزية لهم يباهون بها ، في مقابل الوضوح البيّن والبيان الواضح عند الغزالي وأمثاله ، ممّا يَعُدّونه عيباً ، -