عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )

30

الشيخ محمد الغزالي

--> منهم الذي يشتغل بالتحريم المستمرّ فلا تسمع منه إلّاأنّ الدين يرفض كذا وكذا ، دون أن يكلّف نفسه أيّ عناء لتقديم البديل الذي يحتاج إليه الناس . . وكأنّ مهمّته اعتراض السائرين في الطريق ليقفوا مكانهم ، دون أن يوجّههم إلى طريق آخر أرشد وأصوب . وهناك دعاة يعيشون في الماضي البعيد ، وكأنّ الإسلام دين تاريخي ، وليس حاضراً ومستقبلًا . الغريب أنّك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلًا ، وهو محقّ في ذلك ، ولكنّه ينسى أنّ الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيّرت وحملت حقائق وعناوين أُخرى . وهناك دعاة آخرون لا يفرّقون بين الشكل والموضوع ، أو بين الأصل والفرع ، أو بين الجزء والكلّ . فهم يستميتون في الإنكار بأيّ شكل من الأشكال ، ويبدّدون قواهم كلّها في محاربة هذا الشكل ، أمّا الموضوع فهم لا يدرون ماذا يصنعون إزاءه ، ولهؤلاء عقلية لا تتماسك فيها صور الأشياء بنسب مضبوطة ، ولذلك قد يهجمون شرقاً على عدوّ موهوم ، ويتركون غرباً عدوّاً ظاهراً ، بل ربّما حاربوا في غير عدوّ . . وهؤلاء وأُولئك عبء على الدعوة الإسلامية يجب إصلاحهم ، كما يجب إصلاح الذين يدخلون ميدان الدعوة بنيّة العمل لأنفسهم لا لمبادئهم ، فإنّ العمل الذي يستهدف القيم الإسلامية غير العمل الذي يدور حول المآرب الشخصية . تبيّن لي بعد أربعين سنة من العمل في الدعوة الإسلامية أنّ أخطر ما يواجه العمل الإسلامي هو التديّن الفاسد ، أي : استناد النفس إلى قوّة غيبية ، وهي تعمل للخرافات والأوهام ، أو هي تعمل للأغراض والمآرب . . الدين مثلًا يقظة عقلية ، وهؤلاء يعانون تنويماً عقليّاً متّصلًا ، والدين قلب سليم ، وهؤلاء استولت على قلوبهم علل رديئة . والأمر في كشف التديّن الفاسد يحتاج إلى تفاصيل للتعامل مع الآفات النفسية والعقلية التي تسبّب هذا البلاء . وقد خصّص أبو حامد الغزالي جزءاً ضخماً من كتابه : « الإحياء » في علاج هذه الآفات والتحذير منها ، كما وضع ابن الجوزي كتاب : « تلبيس إبليس » للكشف عن صور التديّن الفاسد ، وإبعاد العامّة والخاصّة عنه . وقد ألّفت بعض كتبي وأنا مستغرق في محاربة هذا الجانب من التديّن المعلول ، سواء كان رسمياً أو شعبياً ، مثل كتاب : « تأمّلات في الدين والحياة » ، وكتاب : « ليس من الإسلام » ، -