توفيق أبو علم

19

السيدة نفيسة رضي الله عنها

النفسية المتمثّلة بالوطنية والقومية والقطرية . ومن هنا فقد ترجم أئمة وعلماء أهل البيت عليهم السلام وأبناؤهم هذه المفاهيم والقيم والأخلاق الرسالية العالية في سلوكياتهم ومناهجهم وسيرهم ، وطووها في ممارساتهم اليومية وعلاقاتهم مع الآخرين ، وجسّدوها في أقوالهم وأفعالهم واقعاً حيّاً وملموساً ، عرفه الكبير والصغير ، العدوّ والصديق . ففي هذا الكتاب نقرأ أنّ السيدة نفيسة الدارين تنطلق من مدينة جدّها وأبيها ، وفي ظلّ ظروف خاصة لتهاجر إلى أرض بعيدة عن منازل أهلها وعشيرتها ، وتقطع مسافة طويلة تتخلّلها صحاري قفار إلى أرض مصر ، بعد أن تزور قبر جدّها نبي اللَّه إبراهيم الخليل عليه السلام ، متجاوزة كلّ العقبات الجغرافية ، والموانع النفسية ، لتحطّ رحالها على أرض النيل ، ليس إلّا لشيئين : الأول : هروبها من واقع مأساوي خاصّ كان يلحق بها ضغوطاً نفسية وغير نفسية . الثاني : لنشر العلم والمعارف المحمدية الأصلية في ربوعٍ يمكن أن تعدّ بعيدة عن مدينة جدّها الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيتها وعشيرتها . وقد تكلّل سعيها بالنجاح الباهر ، لما سلكت من سلوك تربوية وأخلاقية هادفة ، وانتهجت منهجاً علوياً كريماً ، يحكي قيماً وأخلاقاً ومواقف كريمة ، مستهدفةً بناء الهيكل الاجتماعي الرصين ، وبثّ روح العبادة والإيمان في نفوس سكان هذه البلاد ، ونفي كل الشوائب والعقبات التي تحطّم - أو تكاد - معنويات الناس ، وتتخم الوجود بالفراغ والانحطاط . ولم يكن عملها ليتكلّل بالنجاح لولا توافر عناصر أصلية فيها ، أهمّها : 1 - الإخلاص : فقد كان إخلاص هذه السيدة للخطّ الإنساني جميعاً ، أي أهدافها كانت منشودة إلى الهدف الإنساني الكبير ، ولم يقتصر على المسلمين فحسب ، بل تعدّى إلى باقي أتباع الديانات الأُخر . فتقديمها المعونة لأفراد المجتمع ، وتلبيتها لطلبات بعض الناس ، من اليهود وغيرهم ، إنّما هي نماذج عملية أصيلة تصبّ في هذا الاتجاه . ذلك لأنّ الإخلاص هو روح كل عملية وسلوك كان يقوم به أبناء وأحفاد هذا البيت الكريم ، ولم يتجرّدا منه لحظة ، لأنّهم يعلمون علماً يقيناً أنّه لو تجرّدا منه فهما ميّتان ، ينخر منهما العداء للإنسانية نفسها وإن بدا منهما عطاء وافر !