توفيق أبو علم
20
السيدة نفيسة رضي الله عنها
2 - العقائدية : لقد كانت أعمال وتصرّفات هذه السيدة الجليلة تنطلق من دوافع أخلاقية وعقائدية دينية بحتة ، تهدف من ورائهما إصلاح شؤون الناس وقضاء حوائجهم على أساس مبدأ عقائدي متين ، متجذّر في الأعماق فكرةً وانطلاقاً وهدفاً ، يقوم على أساس إرضاء اللَّه تعالى وحده ، واستجلاب ثوابه ، ولم يكن سطحياً مرتجلًا ، ولا خاوياً ولا مرائياً . فأهل البيت لم يقوموا بعملٍ لأحد ، أو يقضوا حاجته إلّابعد أن يترجموا نظرتهم تجاه هذا العمل ، ويدفعوا الإنسان المقابل إلى التأمّل في أعماقه وفيه ، فيحرّكوا - بذلك - فيه طاقة حركية فعّالة لها الاستطاعة على الإبداع والحركة والانطلاق إلى الامام . وهذا ما نشاهده كثيراً إذا ما طالعنا سيرة أيّ أحدٍ منهم ، إنّهم يتبعون أجوبتهم العملية وقضاء حاجات الناس على اختلافها واشكالها ، بإشعاع من الكلام الحكيم يطيب بها نفس الإنسان المقابل مهما بلغ به الأمر من القسوة أو الجهل . وإنّهم إذا ما واجهوا معارضةً ، وسلوكاً منافياً من جهات قد تمتلك القوة والسلطان ، تراهم يقومون بالاحتجاج عليهم استناداً للمبرّرات التي تمنحهم الحقّ في الاعتراض والمحاججة ، وتعينهم الظروف على ذلك ، وإلّا فإنّهم يلوذون بالصمت والصبر . يحدّثنا هذا الكتاب من خلال فصوله - كما سنرى - موقف هذه السيدة العلوية تجاه حاكم ظالم ، ضجّ أهل مصر منه إليها ، واستغاثوا بها عليه ، يرجونها أن تكلّمه وتنصحه ، ويكفّ أيديه عنهم ، فبادرت إلى ذلك بكل شجاعة ، لكنّها حافظت في الوقت نفسه على شيئين اثنين : الأول : أدب الاعتراض القائم على الحوار الهادئ والنقاش العلمي الموضوعي ، من دون أن تتخلّله حسّاسية مفرطة وعواطف شخصية جيّاشة ، ولم يتعدّ إلى غيره من الوسائل التي تحمل طابع الخشونة والشراسة . فلم يستخدم أهل البيت عليهم السلام لأجل تحصيل ثمرة مخالفتهم ومعارضتهم الأساليب الملتوية والماكرة في تأليب الأوضاع ، وايجاد التشنّجات في مجتمع المسلمين الذي قد تراق فيه دماء بريئة ، رغم تلقّيهم عروضاً كثيرة تبنّتها بعض أطراف المعارضة الأخرى لقيادة قوة المعارضة المسلّحة ، وتوجيه الغضب الشعبي ضد القيادة الحاكمة ، رفضوا كل ذلك تمسّكاً بأخلاقهم ومبادئهم . والثاني : المصلحة الاسلامية العليا التي فرضت على أئمة هذا البيت الكريم أن