محمد عبد الكريم عتوم

98

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

والسلطان ، فبدلًا من التوقف حول تأويل مبدأ طبيعة العمل مع السلطة ومدى مشروعيتها ، وقع تحول فقهي عميق من خلال طرح مبدأ نيابة الفقيه عن الإمام المهدي ، وبالتالي أصبح الفقيه الشيعي في الدولة الصفوية ، شريكاً أساسياً في السلطة من خلال نيابته عن الإمام المهدي ، وأصبح يتمتع بصلاحيات واسعة في الدولة ، وأصبح يمثل سلطة شرعية دينية قائمة بذاتها . وقد تواصلت جهود الفقهاء حتى العصر الحديث في عهد الدولة القاجارية مرحلة بعد مرحلة للسيطرة على مقاليد السلطة ، حيث ظهرت أطروحة ولاية الفقيه المطلقة ، كما بلورها الفقيه آية الله النراقي 1245 ه - ، حيث شهدت تدشيناً لمرحلة جديدة ، بعد أن نجح الفقهاء في تجاوز عراقيل مشاركتهم في السلطة ، وأصبح الفقيه في العصر الحديث يشعر بالتحرر من إسار الجماعات الفقهية التقليدية ، حيث أقيمت صلاة الجمعة ، وفي أواخر الدولة القاجارية انخرط الفقهاء بصورة واسعة في الحقل السياسي ، كما شهدت الحركة الفقهية انفتاحاً على الفكر السياسي الغربي الحديث . والذي يتجلى برسالة آية الله الميرزا محمد حسين النائيني ، " تنبيه الأمة وتنزيه الملة " . « 1 » ويمكن القول إن جذور هذا التحول الفقهي العميق تعود إلى قيام الدولة البويهية ، والتي يمكن القول بأنها أحدثت نوعاً من التعويض النفسي للشيعة ، الذين تأثروا بالخسارة الناجمة عن غيبة الإمام المعصوم ، حيث قام البويهيون بتقريب العلماء والفقهاء وأحسنوا لهم ، مما أسهم في انخراط كبار الفقهاء والمتكلمين في الشأن العام وتفاعلهم مع الواقع السياسي الجديد . وعندما استفحلت سلطة الفقهاء ، وأصبحت أمراً واقعاً تهدد حكام الدولة الشيعية والإضرار بسلطاتهم ، حاول هؤلاء تحجيم سلطة الفقهاء ، لكنهم فشلوا ولم يستطيعوا الانتقاص من دور الفقهاء الديني والاجتماعي ، وهذا نابع بالأساس من طبيعة الفقه السياسي الشيعي المستحدث ، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الإمامة ، والتي تتطلب استقلالية الفقهاء والعلماء بما يتيح لهم المجاهرة برأيهم ضد الحكم " ومنذ مطلع القرن التاسع عشر وبفضل جهود الفقيه محمد باقر بهبهاني وتلامذته ، فرضت المدرسة الأصولية الاجتهادية نفسها على توجهات الحوزة العلمية

--> ( 1 ) - إبراهيم - 1998 .