محمد عبد الكريم عتوم

99

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

لدى الشيعة الإمامية ، ولم يكن الموقف الأصولي هذه المرة متصالحاً مع الشاه ، أو تابعاً له ، كما كان حال الفقيه الكركي والفقيه المجلسي في العهد الصفوي ، بل أصبح نداً ومنافساً له من خلال تأكيد وتكريس دور المجتهد كمرجع يتزعم حوزته العلمية المستقلة وله مقلدوه الكثر في أوساط الشعب " . « 1 » ومما ساعد على نجاح الحركة الفقهية السياسية الشيعية ، هو إطلاقها سلطان العقل والاجتهاد والتجديد ، مما ساعد العقلية الشيعية على تقبل التغيرات والتطورات الاجتماعية ، وهو ما يؤكده أحد مراجع الشيعة المعاصرين بقوله " إن الشيعة لا يرون أي بأس من الناحية الدينية بقيام أية دولة زمنية في هذا العصر والعصور السابقة ، إذا حكمت برضا الناس واختيارهم ، وأدت واجبها كدولة صالحة تحفظ الأمن والنظام ، وتصون لكل ذي حق حقه ، وتحصن الحدود من الاعتداء " . « 2 » ومما لا شك فيه أن تأثر الفقهاء الشيعة بالفلسفة ، وإعمالهم العقل ، قد حدد معالم سيرورة الفقه السياسي الشيعي ، من عصر المفيد والمرتضى والطوسي إلى عصر الخميني والصدر الخامنئي ، حيث نلحظ استقلالًا وتنصلًا من النص ، وانغماساً كاملًا في قضايا الأمة والمجتمع ، وهذا لم يكن بالإمكان بلورته ، لولا تواصل حركة الاجتهاد لدى الفقهاء وعدم توقفها وجمودها . يجمل أحد الباحثين المعاصرين سيرورة الفقه السياسي الشيعي المعاصر بقوله : " ولعل من المفارقات التاريخية الحاسمة ، كما ظهرت في نهاية البحث ، أن الغرض من نيابة الفقيه عن الإمام حين طرحت لأول مرة كان شرعنة الدولة القائمة في عصر الغيبة ، وتبرير ممارساتها ، وفي نفس الوقت شرعنة اندماج الفقيه في جهاز الدولة ، ولكن النيابة دشّنت في مرحلة لاحقة لولاية الفقيه السلطانية ، بمعنى أن تمدد النيابة واتساعها ، هو في جوهره اجتياح للسلطة ، وصولًا إلى الانفراد بها . بكلام آخر ، إن النيابة في صورتها النهائية ، نقلت الفقيه من مستوى الشراكة في السلطة إلى

--> ( 1 ) - عنايت ، الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ، 1989 ، 168 . ( 2 ) - مغنية ، 1984 ، الشيعة والحاكمون ، ص 10 .