محمد عبد الكريم عتوم

97

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

ويمكن القول إن وقوع الغيبة الصغرى ثم الكبرى ، قد وضع الفكر الشيعي أمام اختبار صعب ، حيث واجه فقهاء الشيعة الأوائل تحدياً رئيساً وخطيراً حول نظرية الإمامة واستمراريتها بعد وقوع غيبة الإمام . وقد اضطروا إلى تفسير ماضوي يهدف إلى إقفال الحقل الإمامي عند حدود الغيبة الكبرى ، مما أدى إلى تعطيل النص الديني في مجال الفقه السياسي ، لحين ظهور المهدي كمبرر لاكتمال النصاب الشرعي للدولة . وبالتالي كان مبدأ " انتظار الفرج " آلية فاعلة في أسلوب عمل الفقهاء ، فقرروا تعطيل بعض الحدود والأحكام كالجهاد . . . وصلاة الجمعة ، وما يدخل في ولاية الإمام المهدي المعصوم ، حيث اشترطوا وجود الإمام المعصوم كشرط لوجوب الجهاد وإقامة الحدود وإقامة صلاة الجمعة . وعندما ظهرت الدولة البويهية الشيعية الإمامية ، برزت تحولات في الفقه السياسي الشيعي الإمامي تمثلت بخط سياسي فقهي جديد يتفاعل مع الواقع السياسي ، ويتعاطى بالقضايا العامة للأمة ، في مقابل الخط الفقهي التقليدي المحافظ المتمسك بمبدأ انتظار الفرج ، وعدم الإقرار بشرعية أية دولة أو سلطة تقوم في عصر الغيبة . وقد تأثر الخط الاجتهادي الذي كان يحاول تطوير الفقه الشيعي ، بحركة الترجمة والانفتاح على الفلسفة اليونانية ، وقد سمي هذا بالتيار الأصولي أو المدرسة الأصولية فيما أطلق على التيار الآخر التقليدي المحافظ المدرسة الإخبارية . وعلى الرغم من عدم إقرار فقهاء الشيعة بشرعية أية دولة قائمة ، إلا أنهم كانوا يؤكدون على مبدأ ضرورة وجود نظام أساسي يحفظ النظام ، وبالتالي لم يعطلوا السلطة التي بها انتظام الاجتماع ووحدة الأمة ، وحفظ المصالح العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي ضرورة وأهمية وجود الدولة . ويمكن القول إن الدولة الشيعية التي ظهرت بعد وقوع الغيبة ، وخاصة الدولة البويهية ، لعبت دوراً بارزاً نحو استمالة الفقهاء واستدراجهم نحو السلطة . وهذا يعتبر بمثابة تحول فقهي عميق نحو الحقل السلطاني ، وتجاوز التراث الفقهي التقليدي ، وفي نفس الوقت كان ذلك بمثابة الخطوة الأساسية لشرعية المشاركة السياسية ، وعندما ظهرت الدولة الصفوية ، اتسع نطاق المشاركة السياسية للفقهاء الشيعة في الحكم ، لا بل شهدت تحولًا عميقاً حول طبيعة الصلة بين الفقيه