محمد عبد الكريم عتوم

75

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

الأمة إذ ورد في وثيقة المدينة " المسلمون أمةٌ من دون الأمم " وثانيها رابطةٌ من نوعٍ جديد تربط أفراد الأمة غير رابطة الدم ، فجعلهم " بعضهم أولياء بعض " وثالثها الشورى التي جعل منها القرآن الكريم أمراً مشروعاً ، ورابعها الجهاد الذي على أساسه بُنيت مكونات الجيش المكلف بالدفاع عن أرض الإيمان ، والتبليغ ونشر الدعوة ، وجعل القرآن ذلك تكليفاً على كل قادرٍ من المسلمين على حمل السلاح . لقد اشتمل النص القرآني الكريم على تشريعٍ للأحوال الشخصية ، والمعاملات ، وتناول الأمور الاجتماعية ، والعلاقات الإنسانية ، وبذلك تكاملت تجربة الدولة في الإسلام ، فلا عجب عندئذٍ إذا رأينا المسلمين بعد وفاة الرسول ( ص ) لم يختلفوا على وجود الدولة ، بل كان اختلافهم على من يكون رئيس الدولة بعد الرسول " ما حدث في السقيفة " . واستعمل مفهوم الشورى بمعانٍ مختلفة ، فقد تمت " البيعة " لأبي بكرٍ وكانت بيعة فردية ، فمن بايع أوجب على نفسه السمع والطاعة ، ومن لم يبايع لم يوجب على نفسه السمع والطاعة ، وهذا كان حال علي بن أبي طالب ومجموعةً من المسلمين معه في البداية . وكانت الشورى استفتاءً في ولاية عمر بن الخطاب ، وكانت انتخاباً من النخبة " الباقين على قيد الحياة من العشرة المبشرين بالجنة " وبواسطة النخبة في ولاية عثمان بن عفان . وبعد مقتل عثمان ، ونظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية كانت البيعة لعلي بن أبي طالب ، ولكنها كانت بيعة أقاليم . أما الجهاد فقد بقي ديدن المسلمين ، ورأى فيه المسلمون توسيعاً لحدود الدولة ، وإثراءً اقتصادياً لها ، بالإضافة إلى كونه وسيلةً لنشر الدعوة الإسلامية . وهكذا أجمع المسلمون تلقائياً ، على ضرورة الدولة ، دون وضع ذلك موضوع تفكير وأخذٍ ورد ، وحتى وقتٍ متأخر إذ طرحت فئةٌ من الخوارج ، موضوعَ عدم ضرورة الدولة ، وقالوا بأنه لو كانت أمور المسلمين تجري بحسب الشريعة ، لما كان هناك ضرورةً للدولة . ومع تشعب رؤى المسلمين لاختلاف فرقهم وشيعهم ، إلا أنهم لم يختلفوا على ضرورة الدولة ، لا بل أخذوا هذا الأمر على أنه مسلمٌ به ، ولم يمنع اختلاف الفرق الإسلامية ، حول الخليفة أو الإمام ، اتفاقهم على ضرورة الدولة أصلًا لأنهم رأوا فيها حفظ بيضة الإسلام ، واستمرار الدعوة له وإقامة أحكام الشريعة ، وحماية ثغور الدولة .