محمد عبد الكريم عتوم
74
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
الثاني : مراعاة ما ذكر في كتب اللغة في تعريف الدولة بالشيء المتداول ، على اعتبار أن الحكم والملك لا يبقى لأحد أَبَدَ الدهر ، ولا يخلد فيه مخلوق ، كما قال سبحانه : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ " آل عمران ، آية 140 " « 1 » . لقد شهدت الجزيرة العربية قبل الإسلام نماذج للدولة مثل دولة حمير ، ودولة سبأ ، في الجنوب ، ودولة الغساسنة في الشمال ، ودولة المناذرة في الشرق . لكن هذه النماذج لم تكن تتجاوز مفهوم الدولة القبيلة . ومع أن العرب وبخاصة أهل الحجاز ، كانوا على اتصال مع أعظم دولتين في العالم القديم ، الدولة الفارسية ، والدولة الرومانية ، وكانتا على مستوى متقدم من المؤسسية والتشريع ، إلا أنه لم تقم في الجزيرة العربية دولة ذات مؤسسات أو تشريع مكتوب ، كما كان في تلك الدولتين . ويعود الفضل للإسلام ، ونبيه محمد ( ص ) ، في وضع الحجر الأول في بناء دولة مؤسسية في الجزيرة العربية . ولما كانت العلاقات بين القبائل العربية لم تكن تقوم إلّا على أساس رابطة الدم والقربى ، لم يكن مفهوم الدولة ، في بداية ظهوره ، في وثيقة المدينة يتجاوز مفهوم الدولة القبيلة . ولكن في مرحلة لاحقة عندما بدأ الرسول يبعث برسل إلى ملك فارس والروم برسل يدعوهما لاتباع الدين الجديد ، كان لا بد من الإقرار ، بأن مفهوم الدولة في ذهن الرسول ( ص ) كان مختلفاً عما ظهر في البدايات ، وعلى الأقل أن مفهوم الدولة لديه كان يتجاوز حدود مفهوم الدولة القبيلة ، على نحو واضح ومتميز إلى الدولة الممتدة خارج إطار ما ألفه العرب قبل الإسلام . ويتميز الدين الإسلامي عن الأديان الأخرى ، بأنه دين ودولة ، قيم روحية ، وأحكام منظمة لشؤون الحياة ، فالرسول ( ص ) قد أقام الدولة مباشرة ، فيما ظهرت دول الأديان الأخرى في فترات لاحقة للبعثة النبوية ، كما ويتميز الدين الإسلامي أيضاً عن كثيرٍ من الأديان أنه دين إيمان وشريعة ، ويتميز بهذه الأخيرة عن باقي الأديان ، ولا يضاهيه في ذلك إلا الدين اليهودي . لقد رسخت التجربة النبوية في المدينة المنورة ، ضرورة أن يكون هناك دولة لها أركان : أولها
--> ( 1 ) - يوسف ، 2005 ، 12 .