محمد عبد الكريم عتوم

64

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

إن معيار إسلامية المجتمع عند سيد قطب ، يتحدد في مصدر تلقي النظم والشرائع ، والقيم والموازين ، والعادات والتقاليد ، وكل مقومات الحياة . " هل نتلقاها من الحاكمية الإلهية . . . . فنكون مجتمعا مسلما ؟ أم من حاكمية البشر . . . فنكون بذلك ضمن المجتمعات الجاهلية ؟ " « 1 » ويرى قطب أن " إعلان ألوهية الله تعالى وحده تعني الثورة الشاملة على حاكمية البشر بكل صورها وأشكالها . . . ذلك أن الحكم الذي يردُّ فيه الأمر للبشر ، ومصدر السلطات فيه هو البشر ، هو تأليه للبشر يجعل بعضهم أرباب بعض من دون الله " « 2 » . ويرى الباحث أن أطروحة سيد قطب ، حول الحاكمية ، تعكس بشكل واضح الصراع الذي كان قائما بين الحركة الإسلامية ، والنظام القائم في مصر آنذاك . ولم تستطع الجماعات الإسلامية القول بأن الأنظمة الجاهلية قد اغتصبت سلطة هي أولى بها ، أو هي من يستحقها ، فكان لا بد من إيجاد قيمة عليا ، أو هدف يمكن أن تتحرك الجماهير باتجاهه ، ويرتبط بإيمانها وبمستوياتها المعرفية وقدراتها ، فكان طرح أفكار الجاهلية والحاكمية على المستوى الفكري في إطار الحركة الإسلامية . ولا بد من توخي المنهجية العلمية ، التي تقتضي إعمال الدقة في توظيف المفاهيم ، واستعمال المصطلحات ، وتجنب أسلوب الإطلاق والتعميم . فمفهوم الحاكمية الإلهية عند تفكيكه ، قد يراد به الحاكمية الإلهية ، أو الحاكمية الشرعية ، والتي هي حاكمية الوحي ، أو الحاكمية الإنسانية ، والتي هي حاكمية العقل . فالربط والدمج بين مفهوم الحاكمية ، وبين مبدأ الألوهية بحيث يصبح المصطلح مركبا لهذه العبارة " الحاكمية الإلهية " يورد إشكالا على مستوى المفهوم ذاته ، لأن مفهوم " الحاكمية " كمصطلح إسلامي ، يبدو هنا مجرداً عن الإضافة أو النسبة إلى غيره . لقد أصبح شائعاً في الفكر الإسلامي المعاصر ، الربط التلازمي بين مبدأ الألوهية ومبدأ الحاكمية ، فلا تطلق الحاكمية إلا ويراد بها حاكمية الله تعالى ، ولكن ليس هناك ما يدل على الارتباط التلازمي بين المبدأين ، إلا في القضايا المتعلقة بمبدأ الألوهية .

--> ( 1 ) - قطب ، سيد ، 1983 ، 34 . ( 2 ) - عبد الغني ، عماد ، 1997 ، حاكمية الله ، 23 .