محمد عبد الكريم عتوم
279
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
إلى تسيب عام ، يغري المتسلطين وأصحاب القوة ، فالسطو على حق الأمة ، تجسيدٌ لما يقوله تعالى في وصفه الطاغية فرعون فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ " الزخرف ، آية 54 " فالآية ترسم سنة اجتماعية ، ومنهجاً في تعامل الشعوب والأمم مع حقوقها وحرياتها ؛ " إذ إن الأمة التي تفرط بحقها ، ولا تهب للحفاظ عليه وحراسته من الاعتداء ، يغري الطواغيت بالاستخفاف بها واستعبادها ، مع أنه فرد منها كبقية الأفراد ، خلق من طينتهم ، ولا يمتاز عنهم بشيء . وقال رسول الله ( ص ) : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته « 1 » فهذا الحديث يرسم منهجاً عاما آخر في إلزام كل فرد من أفراد الأمة في تحمل مسؤوليته ، وأداء واجبه في الحفاظ على ثغرته وحراسة حقه فلا يؤتين من قبله ، ولا يخلو أي فرد مهما كان موضعه في المجتمع من تحمل مسؤولية ما تتناسب مع قدراته ومواهبه ، وما أوتي من علم ووسع وطاقة ، وهو محاسب على ذلك " « 2 » . ويرى الباحث أن مفهوم المعارضة السياسية لا يزال مفهوماً طارئاً على منظومة الحكم الإسلامية ، خاصة المعارضة القادرة على استقطاب وتأييد الأكثرية للوصول إلى السلطة ، ذلك أن مفهوم تداول السلطة أيضاً لم يعرفه التاريخ الإسلامي ، ولم يتضمنها التراث الإسلامي . ولا بد من الاعتراف أن الدول الإٍسلامية المعارضة قد استطاعت ومن خلال احتوائها للمؤسسة الدينية والفقهية من تغيير الفقه السياسي الإسلامي ، إلى فقه سلطاني ، وتوجيهه صوب المعارضة السياسية ، حيث تم اعتبار الحركات السياسية على مدار التاريخ الإسلامي دعاة فتنة وبغاة ومفسدين في الأرض يهلكون الحرث والنسل . كما أن بعض المقولات التي يقوم عليها الفكر السياسي الإسلامي عند الشيعة الإمامية كمفهوم عصمة الإمام ، وعند أهل السنة والجماعة كمفهوم الطاعة المطلقة للخليفة ، قد حال ذلك كله دون تطوير مفاهيم الحريات العامة والسياسية . وهو ما يلخصه أحد الباحثين المعاصرين بقوله " فقد أكد الفقهاء على وجوب الطاعة للأئمة وتجنب الفتنة وأدانوا فكرة الخروج والثورة ، وتوسعوا في رواية آثار في وجوب
--> ( 1 ) - متفق عليه رواه ابن عمر رضي الله عنهما . رياض الصالحين ص 119 . ( 2 ) - غرايبة ، 2000 ، 390 .