محمد عبد الكريم عتوم

258

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

ومنهم الشيعة الإمامية ، الذين يؤكدون على أن وجوب الهجرة إلى دار الإسلام " المجتمع الإسلامي " ثابت ولم ينسخ . وبالتالي فإن التكليف الشرعي هو الانتماء السياسي الإسلامي بكل ما يعنيه هذا الانتماء من مسؤوليات سياسية ومالية وعسكرية . وقد كان التعبير الوحيد عن هذا الانتماء هو استيطان " المدينة " قبل فتح مكة وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة وخارجها . وأما بعد فتح مكة وانتشار الإسلام في سائر أنحاء العالم وتكون المجتمعات الإسلامية ، فإن هذا الانتماء السياسي بما يستلزمه من مسؤوليات لا يقتصر على الاستيطان ، بل قد يكون الاستيطان وحده غير كاف ، وإنما يكون التعبير المناسب والملزم عنه هو حمل " جنسية " « 1 » المجتمع السياسي الإسلامي ، وبذلك يتحقق مفهوم " المواطنة " ويكون المجتمع السياسي " وطناً " لمن ينتمي إليه « 2 » . كما يؤكد راشد الغنوشي ، الذي يعتبر من أبرز الإسلاميين المعاصريين المتفاعلين مع الحداثة

--> ( 1 ) - قد يعترض البعض على اعتبار " الجنسية " في تحقق مفهوم " المواطنة " ، بأنه مفهوم حديث جاء مع نشوء الدولة الأوروبية الحديثة ، وترسخ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى ، ومن هنا فإنه مفهوم غير إسلامي ، ولم تعرفه الدولة الإسلامية سواءً دولة " الخلافة " أم الدولة السلطانية ، وكانت الهجرة مفتوحة بين السلطنات ، ولا حدود لها . ونقول في جواب هذا الاعتراض : إنَّ مفهوم الجنسية الحديث نشأ من ضرورة تنظيمية ، وليس من اعتبار فكري عقيدي ، فالدولة الحديثة تتحمل مسؤوليات تجاه مواطنيها وهم يتحملون مسؤولياتهم تجاه الدولة والمجتمع السياسي الذي ينتمون إليه ، ولا بدّ من تحديد موضوع هذه المسؤوليات والحقوق ، وإلَّا فلكل أحد أنْ يدعي أنَّ له حقوقاً ، وللدولة أنْ تدَّعي على كل أحد بالتزامات تجاهها . المسلم يحمل انتماءين : أحدهما الانتماء إلى الأمة ، والآخر الانتماء إلى الدولة ، ولكل واحد من الانتماءين حقوق ومسؤوليات للمسلم وعليه ، ففي حالة تطابق مفهوم الأمة ، ومفهوم الدولة ، في الصدق الخارجي ، بحيث تنتظم الدولة الإسلامية جميع الأمة الإسلامية ، على جميع أرض " دار الإسلام " ، تتكامل مسؤوليات وحقوق الانتماءين ، أو يقوم أحدهما مقام الآخر . وأما في حالة عدم التطابق فحيث أن حقوق ومسؤوليات الانتماء إلى الأمة محددة في الشريعة والفقه ، دون حقوق ومسؤوليات الانتماء إلى الدولة ، فإن الضرورة التنظيمية تقضي في هذه الحالة إلى " تدبير " يحدد جهة الانتماء للمكلّف ، ليتمكن من القيام بمسؤولياته تجاه الدولة والمجتمع ، وليأخذ حقوقه ، وهذا " التدبير " هو " الجنسية " . وكونه غربي المنشأ ، لا يمنع من كونه مشروعاً من الناحية الفقهية الإسلامية ، إذ ليس كل ما هو غربي غير مشروع ، وخاصة في الجوانب التنظيمية للمجتمع الحديث ، وما أكثر ما أخذ المسلمون من غيرهم في المجال التنظيمي للدولة ، والمجتمع السياسي ، منذ صدر الإسلام . ( 2 ) - شمس الدين ، مهدي ، 1999 ، 122 - 129 .