محمد عبد الكريم عتوم
259
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
السياسية ، بأن المواطنة لها معياران ، لا تتقرر إلا بهما في الحياة السياسية الإسلامية هما : الأول : يتجلى في الانتساب الديني . أما الثاني فيتمثل في الإقامة . وفي ضوء ذلك نستنتج أن عنصري الدين والإقامة يخرجان التصور الإسلامي من دائرة تهميش الدين الذي تقوم على أساسه العلمانية ، وبما أن القول بمواطنة المقيم كيفما كان دينه ، يتماشى والتصور العلماني الحديث والمعاصر ، فهذا يعني أن الغنوشي يهدف إلى ترسيخ مرجعية عليا الدين وفي الوقت نفسه " التماهي " مع الفكر السياسي الغربي فيما هو إنساني " تكتسب المواطنة في الدولة بتوفر شرطين هما الانتماء للإسلام والسكن في قطر الدولة الإسلامية ، معنى ذلك إمكان تصور مواطنة خاصة لمن توفر فيه شرط واحد : بالنسبة إلى المسلم خارج إقليم الدولة أي مجال سيادتها وبالنسبة إلى غير المسلم القاطن في إقليم الدولة وأعطى ولاءه لها . وهذان النوعان من المواطنة الخاصة تكسب صاحبها حقوقاً هي دول حقوق المواطن الذي استكمل الشرطين ، وكل منهما يملك استكمال الشرطين ، الأول بالانتقال إلى إقليم الدولة ، والثاني بدخوله الإسلام ، فإذا آثر غير ذلك تحمل بالطبع مسؤولية اختياره " أي أن المسلم غير المقيم لا يمكن أن يتمتع بحقوق المواطنة حتى لو أقر بشرعية الدولة ، لأن شرط الإقامة شرط مكمل لشرط الدين للتمتع بالمواطنة « 1 » . في حين يرى مفكر إسلامي معاصر آخر بوجوب تقديم الانتماء إلى المجتمع على الانتماء الديني " حيث إن المجتمع العربي الإسلامي السياسي التقليدي كان من الطبيعي بأن يعتبر ويحدد العضوية والانتساب إليه بالدين ، أما الآن فقد أصبحت الضرورات الحديثة تحتم معاملة الأقليات على أسس متساوية . وهذا يعني العضوية الكاملة في المجتمع والحقوق المتساوية " « 2 » . ويرى الباحث بأن التاريخ الإسلامي ، وخاصة في مراحل تكوّن الدولة الأولى لم يكن بعيداً عن الأخذ بمبدأ المواطنة . ففي التاريخ الإسلامي تمثل صحيفة المدينة " دستور المدينة " التي كانت بين الرسول محمد ( ص ) وأهل المدينة من غير المسلمين ، النموذج الأول في التاريخ العربي الإسلامي ، الذي لم يضع الدين شرطاً رئيسا للتمتع بالمواطنة ، حيث اعتبرت هذه الوثيقة غير
--> ( 1 ) - الغنوشي ، 1998 ، 290 . ( 2 ) - أفندي ، مجلة المستقبل العربي ، عدد 264 ، 150 .