محمد عبد الكريم عتوم
236
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
إن التشريع في النظام السياسي الإسلامي ، هو لله تعالى وليس للبشر وبالتالي فإن سلطة التشريع للوحي ، القرآن والسنة ، وتناط مهمة تفسير النصوص وتطبيقها على الواقع بالعلماء والمجتهدين الذين لا سلطان للدولة عليهم ، وهنا لا بد من توفر المؤسسات والمجامع الفقهية للعمل على تجديد الفقه وتطويره بما يتناسب مع روح العصر وحاجاته ، بحيث يكون جهداً جماعياً لا فردياً . وبالتالي يكون دور الحكومة محصوراً بتطبيق وتنفيذ أوامر الله تعالى ، وهذا هو جوهر فكرة السلطة التنفيذية ، وعلى هذا الأساس يصبح الفصل طبيعياً بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية . أما القضاء فهو مستقل بطبيعته عن السلطات الأخرى « 1 » . ويرى الباحث أن هذا المبدأ لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية ، لا بل إن هذا المبدأ هو الذي كان سائداً خلال فترات الحكم الإسلامي العادل رغم قلتها - إلا أنها كانت ناصعة وخالدة ، حيث نجد قضاة يحترمون مهنتهم ، ويتمسكون باستقلاليتهم التامة ولا يأبهون لأية قوة أخرى . هذا بالإضافة إلى الاستدلال بمبدأ الإباحة هي الأصل المعمول به في الشريعة الإسلامية ، حيث لم يمنع الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات ، وهو أمر لا يتعارض مع قواعد الشريعة وأصولها . كما أن تطبيقه يحقق مصلحة المسلمين ، لأن ذلك يحمي حقوقهم ويصون حرياتهم ، ويثبت أصالة التشريعات الإسلامية ، لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية ، وقد تجسد من خلال تأكيد معظم الحكام المسلمين العادلين على مبدأ استقلالية القضاء ، وضرورة الفصل بين سلطة التشريع وسلطة التنفيذ . وبالنظر لمبدأ الفصل بين السلطات وفق التجارب المختلفة ، ومع الأخذ بعين الاعتبار الظروف المحيطة نجد أهمية الأخذ بهذا المبدأ ، بصياغة نظام منضبط يحدد العلاقة بين هذه السلطات ، ويقدر مدى التعاون الشرعي وضمن إطار الفصل بين هذه السلطات . ويرى الباحث أن مبدأ الفصل بين السلطات ، هو بمثابة الحجر الأساس في بناء المجتمع السياسي الإسلامي القائم على أساس العدالة والمساواة ، وأن ما تعانيه مجتمعاتنا الإسلامية ليس في جوهره إلا نتيجة الاستئثار بكافة السلطات ، وتسخير الاجتهاد الفقهي وإصدار
--> ( 1 ) - الريس ، 1952 ، 304 .