محمد عبد الكريم عتوم
199
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
ومن ناحية أخرى يرى الباحث أن كلًا من السياسة والدين ، قادران على توحيد صفوف ومواقف المسلمين ، مثلما هما قادران على إحداث التمزق بالفرقة . فأنظمة الحكم في مختلف أقطار العالم الإسلامي وخاصة أهل السنة والجماعة تقوم باستغلال الدين من خلال بناء تزاوج بين أهل الحكم من أهل السياسة ، وبين الفقهاء والعلماء حيث نشأت وترسخت مصالح مشتركة بينهما ، وهو ما يعيدنا لما سبق وأشار إليه الكواكبي حول ظهور مفاهيم الاستبداد الديني والاستبداد السياسي ، حيث أصبحنا نرى تبادلًا للأدوار ، عندما يصبح أصحاب السياسة دينيين أكثر من العلماء في بلدانهم وكذلك عندما يقوم رجال الدين بتحالفات ومشاريع مسيئة للدين بحيث أصبح من المسلّم به أنه يتم استغلال الدين من قبل السياسيين . ويرى الباحث أن الإسلام دين ودولة ، وهو أمر مسلم به لدى كافة المذاهب الإسلامية بلا استثناء ، لكنه ومن ناحية أخرى يرى ضرورة فك الارتباط بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية الفقهية ، وخاصةً السُنية ، للحيلولة دون تسخير الدين لغايات سياسية ، وهو ما سارت عليه كافة التجارب السياسية في التاريخ الإسلامي بصورة عامة ، وكان من نتيجة ذلك جمود حركة الاجتهاد الفقهي وخاصة في مجال فقه السياسي الإسلامي . 2 . طبيعة الدولة الإسلامية : يعتبر مفهوم الدولة ، ونظام الحكم في الإسلام أحد التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي الحديث ، لا بل هو التحدي الأبرز والأهم ، خاصة مع تنامي الصحوة الإسلامية في جميع أنحاء العالم الإسلامي . وتتمثل هذه الإشكالية التي يواجهها المفكرون المسلمون المحدثون والمعاصرون ، في تأصيل مفهوم الدولة ومضمونها بمعناها المعاصر في التاريخ والواقع الإسلاميين ، من خلال محاولتهم إيجاد جذر أو صلة للدولة الوطنية الحديثة في الأصول الإسلامية ، وكذلك تظهر هذه الإشكالية أيضاً عند البحث بالقضايا الخلافية المتعلقة بمفهوم الدولة ، مثل شكل الدولة أو طبيعتها ، ووظيفتها ومنهج الحكم فيها ، حيث يواجه الباحث مخزوناً هائلًا من التفسيرات والمواقف المتباينة ، والتي لا تشكل نظاماً فكرياً متماسكاً ، يمكن الارتكاز عليه لبناء نظرية سياسية إسلامية معاصرة ، وتأصيل المفاهيم السياسية المعاصرة ، دون وجود تناقض بينها وبين الأفكار الإسلامية .