محمد عبد الكريم عتوم

200

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

لقد واجه الفكر السياسي الإسلامي الحديث ، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر ، كثيراً من القضايا الحديثة المتعلقة بالدولة ونظام الحكم مثل مفهوم الديمقراطية ، والدولة المعاصرة والمجتمع المدني والمواطنة وحقوق الإنسان ، وغيرها ، وقد ساهمت العوامل التاريخية في تشكيل أسلوب ومنهج الفكر العربي الإسلامي في تناول هذه القضايا . يواجه علماء الاجتماع السياسي ، ومنظرو الفكر السياسي ، صعوبات متعددة في إيجاد تعريف محدد للدولة " فهي مهمة شبه مستحيلة تصطدم بثلاثة أنواع من الصعوبات أولها أنه يجمع بين وجهة النظر المعيارية ووجهة النظر الوصفية ، وثانيها أنه يمكن أن تعني الدولة شكلًا سياسياً محدداً من الناحية التاريخية ، وثالثها أن تعريف الدولة يثير مشكلة تتعلق ببيان أجهزتها ، والعلاقة بين هذه الأجهزة ، والعلاقات التي تقيمها مع المجتمع المدني ، وفيما إذا كانت الدولة أداة قمع يستغلها المهيمنون عليها " « 1 » . وقد انسحب هذا التعقيد في تعريف محدد للدولة ، على عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين ، والذين زعموا بأنهم لم يجدوا أي سند أو مرجعية أصيلة في التراث السياسي الإسلامي يرتكزون عليها في تأسيس أو تطوير نظرية الدولة ، وأن ما هو موجود متعلق بمفهوم الجماعة السياسية ، مما دعا بعضهم للزعم بأن " الإسلام لم يعرف الدولة ولم يفكر بالدولة ، ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله ، وإلا لما كان ديناً ، ولما نجح في إقامة الدولة ، لكن الدولة كانت دون شك أحد منتجاته الحتمية . ولم يتحدث الإسلام عن السياسة أو يقدم رأيه فيها ، فهي تعني المقابل للوحي والمعرفة الدينية ؛ لأنها مرتبطة بالعقل والحنكة والحيلة والخدعة كما هي الحرب ، وليس من الصدفة تجاهل القرآن لها ، فهذا التجاهل نابع من الاختيار الأول للدين ، وأن كلمة الدولة الإسلامية نفسها كلمة مبتدعة حديثة ، تعبر عن تأثر الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر الحديث السائد ، ذلك أن هذا الفكر هو الذي يعطي الدولة هذه الأهمية الاستثنائية ، والخاصية التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع ، لأنه يطابق فيها بين هويتها وقيمه وروحه ونظامه وغاياته . . . ، ولم يكن هو هذا الحال في الماضي فلم تكن للدولة في

--> ( 1 ) - ر . بودون وف . بوريكو ، معجم علم الاجتماع ، 1986 ، 301 .