محمد عبد الكريم عتوم

192

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ « 1 » ومثلما أمر الله تعالى بالعدل ، فقد نهى عن الظلم ، وحذر منه ، وبين عاقبة الظالمين ، قال تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 2 » إن نطاق العدالة في الشريعة الإسلامية ، ومن ثم في الفقه الإسلامي ، يتسع ليشمل جميع مجالات الحياة الإنسانية . وإذا نظرنا إلى المبادئ الدستورية أو القيم الإسلامية السياسية العليا الأخرى كالشورى والمساواة ، والحرية ، فإننا نجد أن العدل هو أساسها جميعاً ، وبالتالي فإن قيمة العدل في الإسلام مقدمة على قيمة النظام ، أو أية قيمة أخرى ، فلا قيام للقيم الأخرى ، إلا في ضوء تحقيقها العدل . فالعدل غاية الدولة الإسلامية ، يتحقق بإقامة الدين ، وتحقيق مصالح المحكومين ، وهو شرط لقيام الحكومة الإسلامية ودوام استحقاقها صفة الشرعية وبقائها . إن الإسلام لا يربط مفهوم العدالة بمجموعة مذهبية خاصة أو دينية ، فالعدل قيمة مطلقة وليست نسبية ، إنها لا تتغير بتغيير الأزمنة والظروف ، بل تبقى ثابتة لا تقبل التجزئة والتخصيص . 4 . المساواة : ويقصد بها أن يكون جميع أفراد المجتمع متساوين في الحقوق والحريات والتكاليف والواجبات العامة ، دون أن يكون هناك أي تمييز في التمتع بها بينهم ، بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة . وقد احتلت المساواة مكانة وأهمية في الشريعة الإسلامية ، منذ ظهور الإسلام وانتشاره وشكلت المساواة انقلاباً جذرياً في مفاهيم البشرية على أسس التفاضل بين الناس ، وأسباب التفاخر لدى القبائل والبيوت العربية ، حيث أنزل الله قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ

--> ( 1 ) - الحديد ، آية 25 . ( 2 ) - الشورى ، آية 42 .