محمد عبد الكريم عتوم
180
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وقد نحا فقهاء السنة هذا المنحى لأنهم قارنوا بين وضعية الدولة ، ووضعية الفتنة ، ووضعية اللادولة ، ففضلوا أخف الضررين وفقاً للقاعدة الفقهية المعروفة . إن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ إسلامي حقاً ، ولكن فهمه وتطبيقه مقيدان بالنتيجة . وهنا لا يكفي أن نقول : الأعمال بالنيات بل لا بد من إدخال النتائج في الحساب ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يتحدد بنية صاحبه فحسب ، إذ هو لا يتعلق بعلاقة المرء بربه فحسب ، بل هو يتعلق أساساً بالعلاقة بالناس ، أي بالتشريع . وبالتالي فلابد من أخذ إذن الإمام ، وموافقته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي يكون مكلفاً بذلك من الحاكم أو الوالي ، وهو ما كان يسمى " بالمحتسب " وإلى هذا ذهب كثير من الفقهاء ، فلم يجعلوا للأفراد حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ونلاحظ في عصرنا الحاضر ، وجود فهم خطأ لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكثير من الناشئة والشباب يحاولون تغيير المنكر بما لديهم من قوة ووسائل دون أي تحقق ، وقد تطورت هذه الأساليب والإجراءات حتى وصلت ما يسمى حاليا بالعنف والتطرف ، وهذا يتطلب من القيادات الفكرية والتنظيمية القيام بجهد لتوجيه الشباب للتفقه بصورة صحيحة . 2 - الشورى سبقت الإشارة إلى أن القرآن الكريم قد أرسى مبدأ الشورى قاعدة للعمل السياسي ، وسائر مناحي الحياة دون تحديد طريقة أو حدود استخدام هذا المبدأ . ويؤكد أهل السنة والجماعة على الشورى كمفهوم ومنهج وفلسفة حكم ، لاستخراج الرأي السليم من أصحاب العقول وأهل الرأي ، لضمان عدم الاستبداد بالرأي والتفرد بالقرار ، مثلما تعني الاسترشاد بجميع الآراء وتبادل وجهات نظر متعددة ، كي لا يقام الحكم على هوى فردي أو مصلحة شخصية . " وقد ذهب جمهور الفقهاء والمفكرين والباحثين إلى أن الشورى هي أساس الحكم الصالح وهي السبيل إلى تبين الحق ، ومعرفة أسدّ الآراء والرؤى ، وقد أمر بها القرآن وجعلها عنصرا من العناصر التي تقوم عليها الدولة الإسلامية " « 1 » .
--> ( 1 ) - شلتوت ، 1964 ، 438 .