محمد عبد الكريم عتوم
164
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
ويرى الباحث بأن الشيعة الإمامية ، في تناولهم لمفهوم السلطة ومصدرها في الإسلام ، وطرحهم اليوتوبي الثيولوجي لها إنما كان انعكاساً ، وردة فعل للأوضاع السلبية القائمة . كما كانت أيضاً ردة فعل لأنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي على مر العصور ، حيث إن طرحهم لمفهوم الإمامة ، كان رفضاً للأوضاع التي تتالت على العالم الإسلامي ، مثلما نجد أيضا طرح بعض مفكري وعلماء السنة المعاصرين ومن مختلف الاتجاهات والمذاهب السنية وعلى رأسهم كل من المودودي ، وسيد قطب ، لمفهوم الحاكمية يعيدنا أيضا لمفهوم الشيعة الإمامية عن الإمامة ويقترب منه كثيرا ؛ فإذا كان الشيعة الإمامية اعتبروا من تولوا السلطة مغتصبين لها وغير شرعيين ، فإن سيد قطب مثلًا في تناوله لمفهوم الحاكمية اعتبره بمثابة " نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ، ومشيحة العوائل والأمراء والحكام ورده إلى الله ، السلطان على الضمائر ، والسلطان على العشائر والسلطان والمال والقضاء وفي الأرواح والأبدان « 1 » . ويرى الباحث أن العدل هو الغرض الأساسي من المعالجة الدينية للسلطة ، فالعدل هو التجسيد السياسي لمقولة إسلامية الحكومة ، كما أن الأساس العقلاني للسلطة يقتضي كونها تابعة للمجتمع وتستمد قوتها وسيادتها منه . وبالتالي فإن مشروعية السلطة مستمدة من التزامها بالأغراض التي أقيمت لأجلها . لكن جوهر المسألة متعلق بمصدر السيادة والحاكمية أولي بالتشريع ، لأن تشريع القواعد العامة والثوابت والأحكام تستمد من الشريعة الأصلية ، وأما الأحكام في المتغيرات والمستجدات فيرجع بها لأهل الاختصاص وهم الفقهاء العدول . لكن المهم هو ممارسة الولاية السياسية ضمن أطار الشريعة ، حيث نجد أن هناك تمييزاً بين مفهوم الحاكمية وبين مفهوم السيادة " فنحن نقول إن الحاكمية العليا لله سبحانه وتعالى أي لشريعته ، أما السيادة ، أي المسوغ الذي يسمح لشخص أو جهة بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصرف بأموال الناس ، وأنفسهم ، فهو رضى عامة الأمة في كل قطر من أقطارها ، لأن الناس هم المخاطبون بالأحكام العامة " « 2 » .
--> ( 1 ) - قطب ، سيد ، 1983 ، معالم في الطريق ، 26 . ( 2 ) - السبحاني ، 1400 ، معالم الحكومة الإسلامية ، 223 .