محمد عبد الكريم عتوم
148
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
إن الانقسام السياسي الذي أصاب الأمة في أواخر العهد الراشدي لم يرافقه اختلاف وانقسام عقدي ، بل اقتصر على الجانب السياسي ، حيث كان الاختلاف بين علي وعائشة أولا ثم بين علي ومعاوية لاحقا اختلافا قانونيا دستوريا واقتصر على التشكيك في شرعية خلافة علي بن أبي طالب . وتشير معطيات التاريخ السياسي والفكري وتوضح بجلاء أن الحركة الشيعية في أصولها حركة سياسية محضة ، عارضت البيت الأموي ثم البيت العباسي ، ورأت أحقية البيت العلوي في الخلافة ، فلم تكن المعارضة الشيعية في بدايتها قائمة على عقيدة متميزة بل على موقف سياسي مغاير . وقد ضمت هذه الحركة قبل تطورها إلى مذهب وطائفة رجالا محسوبين على الاتجاه الفقهي السني مثل الإمام أبي حنيفة وغيره . وقد توالت على الأمة الإسلامية عهود تتابع فيها حكام يتبنون اتجاهاً واحداً يتعصبون له ويوفرون له الحماية وأسباب الانتشار ويواجهون بالعنف كل اتجاه آخر . هذا بالإضافة إلى أن تراث المسلمين الموجود بين أيدينا ، والذي يشمل الحديث والفقه والتفسير والتاريخ الإسلامي ، قد تم جمعه وتصنيفه في حقب اتسمت بالصراع المذهبي وأجواء الفتنة . ولم يكن هذا وقفاً على جماعة واحدة دون سواها مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحقب الأطول والمساحات الأوسع كانت لصالح مذاهب جمهور أهل السنة على أيدي الأمويين ، وأغلب الفقهاء العباسيين ثم السلاجقة والأيوبيين والمماليك ، والعثمانيين . إلا أن المذهب الشيعي الإمامي كان له دوره أيضا أيام البويهيين والصفويين . ووسط هذه الأجواء وهذه الصراعات ، تم جمع وتصنيف التراث ، فاحتوى الأخبار الكاذبة ، والأحاديث الموضوعة ، والعقائد الدخيلة التي يتسلح بها كل من أهل السنة والجماعة ، والشيعة الإمامية في مجادلاتهم مما ساهم في زيادة تعقيد الخلافات المذهبية . ويلاحظ بان هذه الخلافات قد تركزت في الفروع وليس في الأصول ، وقد أُحدثت بعد القرن الثاني الهجري ، وازدادت وترسخت إبان العهد الصفوي ، وهناك شبه إجماع لدى المفكرين الشيعة المحدثين المعاصرين ، على وجوب تصحيح هذه الانحرافات ، ونلاحظ أن بعض قدماء الفقهاء الشيعة الإمامية قد أدركوا ذلك ، فوضعوا الكتب والمؤلفات في ذلك وأن نظرة واحدة في