محمد عبد الكريم عتوم

123

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

وأبدى الفقهاء الشيعة اهتماما بوضع البرامج السياسية العملية لإعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكومين عبر مواثيق قانونية ، تم طرحها كدساتير لتحديد صلاحية الحكام والسلطات الدستورية في الدولة . ولم يقتصر جهد هؤلاء الفقهاء على دعم هذه البرامج الإصلاحية بل باشروا بأنفسهم المعترك السياسي ، وقدموا التضحيات من أجل تحقيق العدالة والمساواة ، وقادوا المظاهرات والاعتصامات وصدور البيانات والتوجيهات ، وكانت الثورة الدستورية التي قادها ألفقهاء في إيران سنة 1905 أولى ثمار جهودهم حيث استطاعوا إدراج إدخال تعديلات جوهرية وأساسية في الدستور الإيراني تنص على وجود هيئة من خمسة فقهاء مجتهدين داخل مجلس الشورى للنظر في التشريعات الصادرة عن المجلس ، وتقرير مدى مطابقتها لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية قبل المصادقة عليها ، وكان يُنظر لهذه الهيئة باعتبارها صمام الآمان الدستوري اتجاه آية انحرافات عن التشريعات الإسلامية . ومما ساعد على نجاح الفقهاء الشيعة استخدامهم سلاح الفتوى ، باعتبار الفتوى تمثل حكما إسلاميا يستلزم الخضوع والانقياد له من قبل الجميع . وقد أدت بعض هذا الفتاوى ، وأبرزها فتوى " التنباك " الشهيرة إلى تعبئة الأمة جميعها ومن أبرز الفقهاء الذين تركوا بصماتهم خلال هذه المرحلة آية الله الشيرازي ، والخراساني والطباطبائي والمازندراني ، والكاشاني ، والشيخ هادي نجم أبادي . ولم يقتصر تأثير هذه الحركة الفقهية على المجتمعات الإسلامية ذات الأغلبية الشيعية كإيران والعراق والبحرين فقط بل كانت تستهدف إدخال الإصلاحات السياسية والتحررية لكافة أنحاء العالم الإسلامي ، فقام عدد من الفقهاء بالاتصال بالسلطان العثماني " السني " ، طالبين منه الوقوف إلى جانبهم ومساعدتهم على مكافحة الهيمنة الاستعمارية وقوى الاستبداد . كما أن حركة التنوير التي قادها جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ، وخاصة كتابه الشهير " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد " تركت أثراً بالغا على هذه التيارات . وكان المرجع الديني الميرزا محمد حسين النائيني " 1860 - 1936 " هو ابرز هؤلاء الفقهاء الذين أحدثوا نقلة نوعية ، وتركوا أثراً بارزا في مجال تطوير الفقه السياسي الإسلامي الحديث ومن أبرز آثاره كتابا هاما بعنوان ( تنبيه الأمة وتنزيه الملة ) حيث تضمن أطروحة تجاوزت كل من الفقه السياسي السلطاني السني المعروف ، ومصطلح ولاية الفقيه بصورتها التي كانت