محمد عبد الكريم عتوم

124

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

مطروحة آنذاك والمتضمنة إعطاء الفقهاء صلاحيات وشرعية ممارسة بعض جوانب السلطة . وقد أقام النائيني أطروحته من خلال مطالبته بوضع هيكل دستوري للنظام السياسي الإسلامي ، وتجاوز إشكالية غصبية الدولة في عصر الغيبة من قبل غير الإمام عن طريق تقسيم مضمون الغصبية بطريقة ذكية ، معيدا إنتاج القسمة التي توصل إليها فقهاء الشيعة الأوائل ، كالمفيد والطوسي والمرتضى ، الذين عملوا في ظل دولة بني بويه ، بموجب أن حق الله ديني وحق الناس مدني اجتماعي سياسي ، حيث يرجع الناس في قضايا الدين للفقهاء ، ويرجعون في أمورهم المدنية للسلطة القائمة . وبالتالي فإن حق الناس هو حكم دستوري وحق الإمام هو الإمامة الإلهية . وتميز النائيني بانفتاحه على تيار الإصلاح والتطوير في العالم الإسلامي ، ولذلك جاءت معالجته لموضوع الاستبداد وتعديل السلطة مبتكرة وغير مسبوقة . ومن خلال مراجعة كتابه المذكور " تنبيه الأمة وتنزيل الملة " يتضح استيعابه للفكر السياسي والدستوري الغربي الحديث ، واستعداده لاستثمار الخبرات الإنسانية ، وخاصة الإصلاحات القائمة على العدل والمساواة ، وبالتالي جاءت معالجته لمسائل الحكم والدولة بخلفية سياسية ، وأرضية فقهية ونظرة جديدة ، مستهدفا إعادة وصل خطوط الارتباط والتواصل بين الشريعة الإسلامية وتطورات الحياة ، مستندا على أساس أسبقية مقاصد الشريعة ، ثم معالجة الموضوع وتكييفه ، مستندا بذلك على الأدلة الشرعية . واستطاع من خلال ذلك ، تقديم صيغة متطورة لنظام سياسي عصري ، متجاوزا الأطر التقليدية المتفق عليها عند الشيعة مثل فلسفة الانتظار وعدم جواز إقامة الدولة في غيبة المعصوم . أن أفضل ما تميزت به أطروحة النائيني هو انه يقدم أطروحة إسلامية شاملة بعيدة عن الخصوصيات المذهبية مستندا على التراث الإسلامي الشامل دون حصر نفسه بالخصوصية الشيعية متفاديا السجال العنيف بين الإمامة والخلافة ، فهو يبني أطروحته على قاعدة الشورى لتأسيس دولة إسلامية دستورية برلمانية . ويتجاوز النائيني الحاجز المذهبي ، من خلال استشهاده بسيرة الخليفة عمر بن الخطاب ،