محمد عبد الكريم عتوم
113
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
وإذا كان عامة المسلمين ، لم يحددوا هذا المهدي بشخص معين ، إلا أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية ، يعتقدون بأن المهدي المنتظر هو الإمام الثاني عشر ، محمد بن الحسن العسكري ، المولود سنة " 255 ه - " ، والذي عاش مختفياً ، حتى وفاة والده ، سنة " 260 ه - " ، وقد انتقلت له الإمامة بعد وفاة والده ، وأنه بأمرٍ من الله ، وقدره ، اختار الغيبة بأحد الأمكنة ، ولم يظهر للعيان وكان يتصل بالأمة من خلال نوابه ، حيث كان يجيب على أسئلة أتباعه الشيعة ، وقد ظل على اتصال من خلال نوابه ، حتى سنة " 329 ه - " ، حيث انتهت غيبته الصغرى وبدأت غيبته الكبرى ، والتي لا تزال مستمرة ، وستبقى قائمة ، حتى يأذن الله بعودته هادياً مهدياً . والفارق بين الغيبيتين الصغرى ، والكبرى " أن الصغرى قد توفق بمشاهدته ، والاجتماع به خواص مواليه ، وفي هذه الكبرى التي نحن فيها لا يتوفق لذلك إلا خواص الخواص " « 1 » . ويسوغ مفكرو الشيعة سبب اختفاء الإمام بخوفه من أعدائه ومطاردة العباسيين له ، والذين كانوا يحاولون إنهاء سلسلة الأئمة ، وفي ذلك يقول المرتضى " وأما الاستتار والغيبة فسببهما إخافة الظالمين له على نفسه . . . ولم تكن الغيبة من ابتدائها على ما هي عليه الآن ، فإنه ابتداءً كان ظاهراً لأوليائه غائباً عن أعدائه ، ولما اشتد الأمر وقوي الخوف وزاد الطلب استتر عن الولي والعدو " « 2 » . هذا بالإضافة إلى اقتضاء الحكم الإلهي ، لوقوع الغيبة في الإسلام ، مثل سائر الأديان الأخرى ، فهي مشيئةٌ إلهية اختارها الله لعدد من أنبيائه ، وأوليائه ، وعلى هذا الأساس فسر مفسرو القرآن الكريم من الشيعة الإمامية الآية الكريمة لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ « 3 » أي سنناً على سنن من سبقوكم من قبل . ويستند الشيعة الإمامية ، في تفسيرهم لبقائه حياً لهذه المدة ، إلى حجج نقلية وعقليه معاً . ففي مجال النقل استشهدوا بسيرة سيدنا نوح ، الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ،
--> ( 1 ) - المظفر ، 74 ، 2003 . ( 2 ) - صبحي ، 408 ، 1969 . ( 3 ) - الانشقاق ، آية 29