محمد عبد الكريم عتوم
114
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
قدر له من خلال الطوفان بناء العالم مجدداً . وكذلك الأمر بالنسبة للمهدي ، فقد أعد الله له دوراً تغييرياً حاسماً في تاريخ البشرية حيث أُنيطت به مهمة تغيير العالم وإعادة بنائه مجدداً على أساس الحق والعدل . وأما في مجال العقل ، فيستند مفكرو الشيعة ، إلى الفسيولوجيا والطب ، حيث أقر العلم بقاء الإنسان حياً آلاف السنين ، إذا لم تتعرض خلايا جسمه للتلف ، ويدلل محمد باقر الصدر على تدخل العناية الإلهية بتعطيل القوانين الطبيعية بقوله " كلما توقف الحفاظ على حياة حجة الله في الأرض على تعطيل قانون طبيعيي وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمته التي أعد لها ، تدخلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز ذلك ، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعد لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرره القوانين الطبيعية " « 1 » . إن الاعتقاد بالمهدية عند الشيعة الإمامية ، جعل من تحقق الدولة الدينية ، أمراً غير قابل للتحقق ما لم يظهر الإمام المهدي ، ليملأ الأرض قسطاً وعدلًا كما ملئت جوراً وظلماً ، وهذا المقصد يعتبر مبرراً لوجود واستمرار التشيع ، ولكنه من ناحية أخرى يمثل عقبة وانسداداً أمام المشتغلين بالتنظير للفكر والفقه السياسي الإمامي ، حيث أسست المدونات الشيعية الأولى بأبرز تجلياتها وعياً ، وانتظاراً يؤدي إلى تعليق وظائف الدولة الدينية ، كالجهاد أو جباية المال ، وإنفاذ الحدود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة صلاة الجمعة ، فعن الإمام الصادق قوله " لا يصلح الحكم ولا الحدود ، ولا الجمعة إلا بإمام منظور " « 2 » . وبمراجعة متون ومضامين مدونات الفقه الشيعي التقليدي ، يتبين أن الدولة / السلطة تظل غصبية وغير شرعية منذ خروجها من حيز الشرعية الإلهية ، وانصرافها عن أصحابها الشرعيين وهم الأئمة من أهل البيت . كما أن الغيبة حسب الرؤية الشيعية التقليدية ، تعني احتجاجاً على الدولة القائمة ، ونفي مشروعيتها ، وفي نفس الوقت تعني الاستسلام للواقع وعدم المبادرة بإقامة
--> ( 1 ) - الصدر ، بحث حول المهدي ، 1981 ، 35 . ( 2 ) - منتظري ، 1988 ، دراسات في ولاية الفقيه ، ج 1 ، 14 .