صاحب محمد حسين نصار
306
الأجل في الفقه الاسلامي
وقد ذهب جمهور الفقهاء « 1 » ما عدا بعضهم كالظاهرية « 2 » ، إلى أنّه يجوز للقاضي أن يعطي للمشهود عليه أو المدّعي أجلًا لإحضار بيّنةٍ غائبةٍ ، واستدلّ هؤلاء الفقهاء بأدلّة كثيرة غير ما تقدّم ، منها : ما ذكر عن الخليفة عمر : « ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ، راجعت فيه نفسك ، وهديت فيه رشدك ، أن تراجع الحقّ ، فإنّ الحقّ قديم لا يبطل ، ومراجعة الحقّ خير من التمادي في الباطل . . . وأجعل للمدعي أمداً ينتهي إليه ، فإذا أحضر بيّنته أخذ بحقّه ، وإلّا وجب القضاء عليه » « 3 » . أمّا الخرشي فقد ذكر الموضوع بتعبير التعجيز ، فقال : « ويعجزه - المحكوم عليه - سواء أكان مدّعياً أم مدّعى عليه ، فإذا قال المحكوم عليه لي حجّة ، وأنظره الحاكم لأجل الإثبات بها باجتهاده ، ولم يأت بحجّته ، فإنّ القاضي يعجّزه ، ويكتب التعجيز في سجله ، بأن يقول : فلان ادّعى أنّ له بيّنة ولم يأتِ بها فقد أعجزته ، خوفاً من أن يدّعي بعد ذلك عدم التعجيز ، وأ نّه باقٍ على حجّته » « 4 » . ثمّ استثنى مسائل فقال : « إلّا في دمٍ وحبسٍ وعتقٍ ونسبٍ وطلاقٍ » ، لمَا لهذه المسائل من أهمّية لا يقطع فيها بحجّة وضابط ، وكذلك عن كلّ حقّ ليس لمدعيه إسقاطه بعد ثبوته ، فإنّ الحكم بالتعجيز لا يقطع الحجّة فيه « 5 » ، يعني أنّ له الحقّ ببيّنته متى وجدها ، فيحكم بإبطال الدم والحبس والرقّ ، وبعدم النسب وبقاء الزوجية ، في حين يرى ابن حزم الظاهري « 6 » ومن وافقه عدم جواز إعطاء الآجال ، وترديد
--> ( 1 ) . المقنع 3 : 617 ، القواعد والفوائد 2 : 255 - 256 ، الهداية للميرغيناني 3 : 106 ، بداية المجتهد 47 : 203 ، مغني المحتاج 4 : 445 . ( 2 ) . المحلّى بالآثار 9 : 423 . ( 3 ) . بدائع الصنائع 7 : 9 ، أعلام الموقعين 1 : 110 . ( 4 ) . شرح الخرشي 8 : 159 - 160 . ( 5 ) . النظام القضائي الإسلامي : 333 . ( 6 ) . المحلّى بالآثار 9 : 423 .