صاحب محمد حسين نصار
304
الأجل في الفقه الاسلامي
وكذلك للقاضي أن يؤجّل الفصل في الخصومة بسببٍ من قِبله ، كالنظر في الحكم الذي يريد أن يصدره ، ولمراجعة الوقائع والأدلّة التي قدمت ، وكثيراً ما يحدث ذلك في عصرنا فيؤجّل الحكم للنظر في إفادات الشهود ، وتقويم الأدلّة المقدمة إليه من أطراف الخصومة أو وكلائهما ، وبوجه خاصّ ما قُدّم من طرف المدعي « 1 » ؛ لأنّ من طبيعة المقاضاة أنّها تبتدئ من قِبل المدعي ، فهو الذي يملك زمام المبادرة فله أن يقيم الدعوى ، كما أنّ له ألّا يقيمها ، فهو لا يجبر على المقاضاة على خلاف المدعى عليه ، وينتج من ذلك أنّ المدعي كثيراً ما يفاجئ المدعى عليه بالمطالبة بحقّ يدعيه عليه ، فالمدعي هو الذي يقرّر هذه المطالبة ، فيختار الوقت المناسب له شخصياً . وقد يختار أسوأ ما يتوقّعه من ظروف خصمه ، والتي قد يعجز معها عن دفع تلك المطالبة « 2 » ، فمنح الأجل في هذه الحالة هو تمام العدل ، فإنّ المدعي قد تكون حجّته أو بيّنته غائبة ، فإذا عجّل عليه بالحكم بطل حقّه ، وإذا سأل أمداً تحضر فيه حجّته أُجيب إليه ، ولا يتقيّد بأيام محدّدة ، بل بحسب الحاجة ، فإن ظهر إصراره للحاكم لم يحدّد له أمداً ، بل يفصل الحكم ، فإن حدّد هذا الأمد فإنّما يكون لتمام العدل ، فإن كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم « 3 » . إنّ منح الآجال لغرض سدّ باب الأعذار ، أو لأسباب أُخرى ، وإنّه : « قد يكون إلى المدعى عليه ، وقد يكون على المدعي ، فإذا أعذر القاضي إلى مَن توجه الأعذار إليه من طلب أو مطلوب ، وسأله هل لديك حجّة بعد ، فإن قال : نعم ، وطلب التأجيل حدّد له أجلًا بحسب تلك الواقعة بما يؤدّيه إليه اجتهاده في بلوغ المؤجّل مقصوده ، على أن لايؤدّي ذلك إلى إلحاق الضرر بخصمه ، فإن كان التأجيل في حقّ المطلوب
--> ( 1 ) . القضاء في الإسلام : 51 - 52 . ( 2 ) . النظام القضائي الإسلامي : 330 . ( 3 ) . أعلام الموقعين 1 : 110 .