محمد جواد مغنية
861
عقليات إسلامية
إرحم نفسك لنفترض وجود رجلين : أحدهما من أصحاب الملايين ، والجاه الطويل العريض ، والأخير يهيم في الأرض ، ولا يأتي بخير ، قد أغلقت في وجهه جميع الأبواب ، وفشل في كل شيء ، حتى تحطمت اعصابه ، وحاول الانتحار لأنه السبيل الوحيد لخلاصه فيما يرى . فقال له صاحب الجاه والمال : مهلا ، فان عندي جميع ما تبتغيه ، وانا على أتم الاستعداد لامنحك الثراء والكرامة بلا ثمن ولا امتنان ، على شريطة أن تكون طيبا حسن السيرة مع الناس ، ممدوحا وغير مذموم من معارفك . . . وهذا الشرط - كما ترى - فضل على فضل ، ونور على نور . . . فإذا رفض هذا العطاء المشروع لخيره ومصلحته فهو مجنون ، وان تقبله ولم يعمل به فهو خائن محتال ، أو ضعيف لا يستأهل الحياة ، ولا شيء منها في منطق العقلاء . وقد وهب اللّه سبحانه الوجود والحياة للانسان ، ولم يكن شيئا مذكورا ومنحه السمع والبصر والفؤاد ، وأعطاه دنيا تزخر بالخير والهناء ، وتفيض بالجمال والبهاء ، أعطاه الكون بأرضه وسمائه ، وجميع كواكبه ، وقال له : تمتع به كمالك أصيل ، لا كضيف خفيف أو ثقيل ، ولا ابتغي منك جزاء ولا عوضا ، وانما الذي أريده شيء واحد ، وهو عليك سهل يسير ،