محمد جواد مغنية
853
عقليات إسلامية
وإذا كان الولد لا يطلب من أبيه ان يمنحه الرغبة في الدرس فان على الأب الدرس فان على الأب ان يوجد له أسباب الرغبة ، ويبين له ثمرات الجد والنشاط وعاقبة الاهمال والكسل ، ويقدم له الشواهد ويضرب له الأمثال ، تماما كما يفعل التجار حين يبثون الدعايات لعملهم ، وكما تفعل المدارس والجامعات حين تقدم الجوائز والمنح للمتفوقين ، وقد رغبنا اللّه جل وعز في الحق والخير ، وكرهنا في الباطل والشر حين صوّر كلا على مثاله ، وارشد إلى طريقه ، وحين اثنى على المطيع ، وقربه منه ، ووعده بأجزل الثواب ، وحين ذم العاصي ، وابعده عن رحمته ، وتوعده بأشد العقاب . . . فإن لم نعمل ونمتثل كنا نحن المسؤولين دون غيرنا ، وصدقت علينا الآية الكريمة : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها . فصلت 46 وهنا شيء ، وهو انّا قد رأينا الألوف لا تؤثر فيهم الدعايات ، حتى الصادقة منها ، ولا الوعد والوعيد ، فكم من تلميذ كره الدرس ، وانصرف عنه بعد ان أعيت الحيل وغير الحيل أولياؤه وأساتذته واطباؤه . . . وكم من انسان يتلو كتاب اللّه ، ويقرأ الأحاديث ، ويسمع الوعاظ والمرشدين ، ومع ذلك يعرض وينأى بجانبه ، ولا يزيده الوعد والوعيد الا اصرارا وخسارا ، ذلك ان المرغبات والمشوقات لم تخلق فيه الميل والإرادة لفعل الخير وترك الشر . . . وبديهة ان الإرادة ليست امرا اختيارا ، وانما تنشأ من ظروف وملابسات لا يسيطر الانسان على شيء منها ، وإذا لم تكن الإرادة بالقدرة والاختيار يكون الصادر عنها كذلك . . . لا يدخل تحت القدرة ، وعليه يكون الانسان مسيرا غير مخير ، لا حيلة له ولا وسيلة ، فكيف ساغ سؤاله وعقابه ؟