محمد جواد مغنية
854
عقليات إسلامية
هذا ، من ناحية ، ومن ناحية ثانية ان اللّه سبحانه قادر على عباده ، وافعالهم وتروكهم ، فإذا أراد الخير وكره الشر منهم ، فلماذا لا يحملهم على فعل ذاك ، وترك هذا ؟ . وجوابنا عن الجهة الأولى وهي ان معنى الانسان مسير غير مخير ان الفعل يصدر عنه بإرادته واختياره ، وهذا ما حصل بالوجدان ، اما ان الإرادة قد صدرت بدون إرادة واختيار فكلام آخر . . . على أن الإرادة ، وان كانت امرا قهريا لا تمت هي ولا أسبابها بصلة إلى الاختيار ، فان ترتب الأثر عليها ، والاندفاع وراءها امر اختياري لا يخرج من الطاقة والمقدرة ، فلقد رأينا المريض يحجم عن الطعام المضر ، وهو مريد له ، ويشرب الدواء المر ، وهو كاره لشربه ، ورأينا العقلاء يذمون الطالب الكسول على كسله ، مع علمهم . بأنه مريد للكسل ، وان الإرادة قهرية لا إرادية ، ورأيناهم يذمون المجرم ، ويعاقبونه ، وهم يعلمون ان الجريمة صدرت عن ارادته ، بل إن ارادته هذه ادعى واوكد عندهم للعقاب ، بل هي المسوغ والمبرر له فالإرادة - اذن - أشبه بالحسد والطيرة والوسوسة التي نهى الرسول الأعظم ( ص ) عن العمل بموجبها ، لأنه مقدور ، ولم ينه عن هذه الصفات ، لأنها قهرية لا اختيارية ، قال ( ص ) : ( إذا تطيّرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ) . . . فلم ينه عن الحسد والطيرة بالذات ، بل نهى عن اثرهما بموجبهما . أما جوابنا عن الجهة الثانية فهو ان اللّه أراد الفعل والترك من الانسان برضاه واختياره ، بحيث يفعل الخير ، وهو قادر على تركه ، ويترك الشر ،