محمد جواد مغنية

19

عقليات إسلامية

اسألوا أهل العلم إن للكون مظاهر شتى لا يجمعها علم واحد ، لأنها تفوق الحصر عدا بخاصة في هذا العصر الذي تشعبت فيه العلوم ، وما زالت تتسع وتتنوع كلما تكشفت حقيقة من حقائق الكون ، وإذا أحاط أرسطو بعلوم زمانه كافة ، فيستحيل عليه لو وجد اليوم ، وعلى أي عبقري سواه أن يجمع بين علومنا كلها أو جلها . لذا اضطر العلماء إلى الاقتصار والاختصاص ، وانقسم العلم بينهم ، كما انقسم العمل بين التاجر والفلاح والعامل . وهكذا تقسم الكون إلى مناطق ، واكتفت كل طائفة من الباحثين بمنطقة واحدة ، كالأفلاك ، أو الأشكال الهندسية ، أو الانسان أو الحيوان أو النبات ، وغير ذلك . وهذه العلوم ، وان كانت متباينة إلا أن اتصالها بكون واحد ، واستخدامها جميعا في حياة عملية واحدة جعل بينها ارتباطا قويا ؛ بحيث إذا كشف بعض العلوم عن حقيقة جديدة أدى ذلك إلى التبديل أو التعديل في وجهات النظر من العلوم الأخرى ، وعلى الرغم من هذا الاتصال الوثيق بين العلوم فإنك إذا سألت أحد العلماء عن مسألة لا تدخل في الفرع الذي تخصص به يجيبك بأن هذا خارج عن دائرة اختصاصه ، كما لو سألت عالم النبات - مثلا - عن أمر يتعلق بالتشريح ، بل لو سألته ما هي المادة المشتركة بين النبات وغيره من المعادن لقال لك لا أعلم ، وهو محق لأنه لا يريد الكلام عن جهل . إذن ما بال بعض الشباب من الذين درسوا الحقوق أو الطب أو الآداب ، ولم يدرسوا فلسفة ما وراء الطبيعة ، ما بال هؤلاء يقفون موقف المنكر المعاند . ويصدرون أحكاما في أشياء لا يعرفون منها كثيرا ولا قليلا ؟ ! ان مصطفى محمود تخرج من كلية الطب ، ولم يدرس اللاهوت ولا الفلسفة . ومع ذلك