محمد جواد مغنية
20
عقليات إسلامية
ألّف كتابا موضوعه « اللّه والانسان » ! لا يا أستاذ ، انك لا تصلح ساعتك عند « سنكري » ولا تنظف بدلتك عند « اسكافي » ، ولا تتعلم الطب في كلية الزراعة ، إذن كيف تكلمت عما وراء الطبيعة ، وعلم ما كان قبلها ، ويكون بعدها وأنت لا تعلم عنه شيئا ؟ ! وهل ترضى أن نتكلم نحن عن الطب الذي درسته أنت في كلية الطب بالقصر العيني ؟ ! ومهما يكن ، فإن كل فئة من علماء الكون تقتصر على ناحية خاصة لا تتجاوزها ، فالعالم النبات لا يتعرض للمعادن والحيوان ، والطبيب البيطري لا يبحث في جسم الانسان وعلله وأمراضه ، وكذلك عالم الفلك وعالم الكيمياء فإنه لا يرى إلا ناحية واحدة من الكون على أن معرفنته بها تبقى ناقصة مهما اجتهد وتقدم ، فكيف بمعرفة أسرار الوجود وأسبابه ، وطبيعته ونظمه ! ومن هنا تخصص لمعرفة الكائن وراء الطبيعة طائفة من العلماء لا يفكرون بشأن غير شأنه ، ولا يهتمون بأمر غير أمره . إن علماء الطبيعة يدرسون المادة ، ويطلبون أسبابها القريبة ، ويقفون عند الظواهر ، ولا يذهبون إلى الأعماق ، أما الفلاسفة ، أما علماء ما وراء الطبيعة فيبحثون عن علة العلل ، والسبب الغامض البعيد عن المادة والمحرك الأول لها . لقد تجرد هؤلاء ، وهم عدد غير قليل من العقول الكبيرة العظيمة ، تجردوا إلى البحث عن خالق الكون ومدبره ، ووضعوا الأسفار الطوال في البراهين القاطعة على وجوده ، ودفعوا عنها كل شبهة ، حتى أصبحت كالشمس في رائعة النهار . فإلى هؤلاء وحدهم يجب أن نرجع في معرفة الفكرة عن اللّه ، وأن ندرس أقوالهم ونحاكمها بتجرد واخلاص . أما أن نجحد ونعاند دون أن نستمع إلى أرباب العقول من ذوي الاختصاص فقد جادلنا بغير علم ولا هدى .