محمد جواد مغنية

10

عقليات إسلامية

فهاجمته وقسوت ، لأن التعصب يحجب الحق عن الأبصار ، ويلقي ستارا كثيفا بينه وبين من ينشده . وخلق لي هذا الموقف المحايد بين الفريقين أعداء من كل منهما ، وقالوا ما شاء لهم الهوى والجهل ، فانصرفت عن لغوهم ، وأقبلت على العمل منقطعا إليه متعظا بحكمة الإمام علي ( ع ) : « العلم يهتف بالعمل ، فان أجابه وإلا ارتحل » . وقوله : « ليس بعاقل من انزعج بقول الزور فيه ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه » . وصدق الرسول الأعظم حيث قال « كل انسان ميسر لما خلق له » . إني أتعصب للجوهر ، وأتسامح في العرض ، واجمع بين قوله سبحانه « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » وقوله « وذر الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً » . وذلك دين القيّمة . قال لي بعض الطيبين من الأصدقاء « 1 » : ما بالك تجمد في مورد واقفا عند النص الحرفي ، وتنطلق مع روح النص في مورد آخر ؟ فإما أن تبقى سائرا ، واما أن تظل واقفا . قلت ، لو ترك لي الخيار لفعلت ، ولكنني عبد مأمور ، أقف حيث ينهاني الدين عن المسير ، ويسد في وجهي جميع المنافذ ، وأسير حيث أجد طريقه رحبا فسيحا « 2 » .

--> ( 1 ) هما الأخ العلامة الشيخ عبد اللّه نعمة ، والأخ المجاهد صاحب العرفان الشيخ عارف الزين . ( 2 ) مثال الجمود على النص ما جاء في الحديث ان المسافر إذا قطع ثمانية فراسخ يقصر ويفطر . يعم هذا الحكم كل مسافر ، سواء أسافر طائرا أو مشيا على الأقدام ، وسواء أكان في سفره حرج أم فرج ، لأن الشارع أطلق ولم يقيد الحكم ، ولو أراد القصر والافطار في حال دون حال لبين ، وحيث لم يبين تحتم الشمول جميع الحالات . أما مثال التجاوز إلى روح النص فكالأحاديث الواردة في بذل الماء وفضله ، وان من سقى ظمآنا فله من الأجر ما يفوق الحصر ، فان مورد هذه الأحاديث حيث يعز الماء ويندر ، كما هي الحال في عهد الرسول الأعظم ، وبنوع خاص في الصحراء إذ يكون الماء أندر من الكبريت الأحمر ، أما في البلاد التي يكون فيها كالتراب والهواء فلا ثواب إلا بمقدار ما يعود النفع وسد الخلة .