محمد جواد مغنية

18

الاسلام والعقل

فقط ، كما هي الحال في الأمور العقلية المجردة عن المادة والعالم المحسوس ، حيث لا مجال للتجربة ولا للمشاهدة ولا أي شيء سوى العقل ومنطقه السليم واستنتاجاته الصحيحة ، وانما تصح وتصدق هذه الاستنتاجات إذا كانت مقدماتها صادقة لم يكذبها العيان والتجربة ولا تستلزم شيئا من المحالات العقلية . ولو أسقضنا العقل عن الاعتبار فهل يبقى الانسان على انسانيته ؟ ! وبماذا نميزه عن الحيوانات والحشرات ، ونعرف الصحيح من الفاسد ، والخير من الشر ، والجمال من القبح ؟ ! بل وكيف نشاهد ونجرب ، ثم ننفي أو نثبت صدق التجربة إذا طرحنا العقل جانبا ؟ ! وإذا تنازل غيرنا عن عقله فرارا من الايمان بما وراء الطبيعة فنحن غير مستعدين لمثل هذا التنازل مهما كانت الحال ، بل نعتمد على خبرة العقل تماما كما نعتمد على خبرة التجربب والمشاهدة ، ولا نرى أي فرق بين الاثنين سوى ان خبرة التجريب عملية تطبيقية ، وخبرة الاستنتاج عملية عقلية لا يمكن فيها التطبيق الخارجي ، أي ان كل واحدة منها تصدق في مجالها الخاص ، فالتصورات التي ترتسم في الذهن عن الطبيعة تكون صادقة إذا كانت انعكاسا عن الوجود الخارجي الملموس ، أما تصوراتنا عن ما وراء الطبيعة فتصدق إذا أقرها وأثبتها العقل . وان موازين الحقيقة وشواهد المعرفة تختلف باختلاف أسبابها ، فكما اننا لا نتعلم الانكليزية بالعربية - مثلا - كذلك لا نستدل على كذب غير المرئيات بعدم مطابقتها للمرئيات . ومرة ثانية نكرر القول ونؤكده بأنه لا مفر من تفسيرات العقل والتزاماته بصدق هذه الفكرة أو كذبها . ولا نعرف قولا بلغ من العبث واللغو ما بلغه القول بطرح العقل وعدم الثقة به ، وما أبعد ما بين هذا الرأي ، وبين رأي من قال بأن الموجود هو المدرك بالعقل فقط ، وكل ما لا يدركه العقل لا وجود له .