محمد جواد مغنية
9
الشيعه والحاكمون
يتوارثونهم جيلا بعد جيل ، انه يصور مظالم ( المستبد الفاسد ) الذي تأمر بلا شورى ، وتآمر وتنمر على كل من لا يقره على الاثم والفساد والعدوان . وفي الوقت نفسه يصور الكتاب ثبات أهل الحق عليه ، وتمسكهم به ، وتضحيتهم بالأرواح والأطفال من اجله ، كما يكشف الكتاب عن الانفجار الذي زعزع أركان الظالمين ، واودى بعروشهم ، وقضى عليهم الواحد تلو الآخر . وقد اهتم الشيعة اهتماما بالغا بأوصاف الحاكم الديني ، والشروط التي اعتبروها أساسا لحكمه ، فدوّنوها في كتب الفقه والعقائد ، وألقوها على الطلاب في المعاهد ، وعلى المؤمنين في المعابد ، وعلى الناس أجمعين في المجالس والأندية العامة والخاصة ، وحكموا بقول قاطع على كل حاكم باسم الدين انه عدو اللّه ورسله وملائكته إذا فقد شرطا واحدا من الشروط التي لا بد منها فيمن يتولى منصبا من المناصب الإلهية ، ولم يفرقوا في حكمهم هذا بين السني والشيعي ، بل الحجة على الشيعي أقوى وأبلغ ، لأنه خالف ما يدين ويعتقد ، بل لم يكتف الشيعة بشرط العلم والعدل ، حيث أضافوا اليهما عدم جواز تقويم الفاضل على الأفضل « 1 » فمن تصدى للحاكم ، وفي الناس من هو خير منه فقد افترى وتجاوز الحد . فدولة الفاطميين والبوهيين والحمدانيين والإيرانيين كلها زمنية في عقيدة الشيعة لا تمت إلى الدين بصلة ، تماما كدولة الأمويين والعباسيين من هذه الجهة ، نقول هذا مع العلم بأن الشيعة لا يرون أي بأس من الناحية الدينية بقيام أية دولة زمنية في هذا العصر ، والعصور السابقة إذا حكمت برضا الناس واختيارهم ، وأدت واجبها كدولة صالحة تحفظ الامن والنظام ، وتصون لكل ذي حق حقه ،
--> ( 1 ) اتفق الامامية على أن « المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل » واستدلوا بقوله تعالى « أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - 35 يونس » وقد جرت عليهم هذه القاعدة الويلات والنكبات .