محمد جواد مغنية

152

الشيعه والحاكمون

خوفا على نفسه ، قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : « كان عيسى أفضل من بقي من أهله دينا ، وعلما ، وورعا ، وزهدا ، وتقشفا ، وأشدهم بصيرة في امره ومذهبه ، مع علم كثير ، ورواية للحديث ، وطلب له ، صغيره وكبيره » . هرب عيسى من المهدي ، واختبأ في الكوفة في دار بعض الشيعة ، وهو علي ابن صالح ، ثم رأى أن يتخذ عملا يعتاش منه ، ولا يكون كلا على أحد ، وكان أهل الكوفة ينقلون الماء من الفرات إلى بيوتهم على الجمال وسائر الحيوانات فاتفق عيسى مع صاحب جمل على أن يستقي على الجمل ، ويدفع له كل يوم اجرا معينا ، ويتقوت هو بما يبقى ، وهكذا بقي أمدا طويلا ، وهو متنكر ، وتزوج امرأة من فقراء الكوفة لا تعرفه هي ولا أهلها . وكان لعيسى أخ اسمه الحسين بن زيد ، وله ولد يدعى يحيى ، فقال يحيى يوما لأبيه : يا ابه ، اني أشتهي ان أرى عمي عيسى ؛ فإنه يقبح بمثلي ان لا يلقى مثله من أشياخه . فقال له : ان هذا الامر يثقل عليه وأخشى ان ينتقل من منزله كراهية للقائك إياه ، فتزعجه ، فما زال يحيى يلح على أبيه ، حق طابت نفسه ، وقال له : اذهب إلى الكوفة فإذا بلغتها فسل عن دور بني حي ، وهناك سكة تسمى كذا ، وسترى دارا ، لها باب ، صفته كذا ، فاجلس بالقرب منها ، فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه ، قد اثر السجود في جبهته ، عليه جبة صوف ، يسقي الماء على جمل ، لا يضع قدما ولا يرفعها إلا ذكر اللّه ، ودموعه تنحدر ، فقم وسلم عليه وعانقه ، فإنه سيذعر منك كما يذعر من وحش فعرفه نفسك وانتسب له ، فإنه يكن إليك ويحدثك طويلا ، ويسألك عنا جميعا ويخبرك بشأنه ، ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه ، ودعه ، فإنه سوف يستعفيك من العودة اليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فإنك ان عدت اليه توارى عنك ، واستوحش منك ، وانتقل من موضعه ، وعليه من ذلك مشقة . قال يحيى : ذهبت إلى الكوفة ، وفعلت ما أمرني به أبي ، وحين عانقت عمي