محمد جواد مغنية

142

الشيعه والحاكمون

ولم تخف حقيقته هذه على الوعاظ أنفسهم ، فابتعد عنه المخلصون منهم ، وتقرب اليه المنافقون الذين يتاجرون بالدين مع كل من يدفع الثمن ، ومن الذين ابتعدوا عن المنصور الإمام جعفر الصادق ( ع ) على الرغم من جميع المحاولات التي بذلها لاقناعه ، ومنها كتابه الذي أرسله إلى الامام ، وقال له فيه لم تغشانا كما يغشانا الناس ؟ وجواب الامام له : ليس لدينا من الدنيا ما نخافك عليه ، ولا من الآخرة ما نرجوك به . وقد ذكرنا الكتاب والجواب عند الكلام عن طاعة الحاكم الجائر . والتقى المنصور يوما بسفيان الثوري ، فقال له : عظني . فقال سفيان : وما عملت فيما علمت ، فأعظك فيما جهلت . اي أنت تعلم أن الظلم محرم ، والعدل واجب ، ومع ذلك تظلم ولا تعدل ، فكيف تعمل في الأمور التي تجهلها حتى أعظك ؟ ! . . فقال له المنصور : ما يمنعك ان تأتينا ؟ قال : قول اللّه سبحانه : « ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسك النار » . قال له : سل حاجتك . قال : حاجتي ان لا تدعوني ، حتى آتيك ، ولا تعطيني ، حتى أسألك . فقال المنصور : ألقينا الحب إلى العلماء ، فالتقطوا إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فرارا . وقول المنصور ألقينا الحب يؤيد ما قلناه من أنه طالب صيد ، يحيك الشباك من الدين ، ويلقي فيها الحب ، ليجذب علماء السوء . ومن اطرف ما قرأت في هذا الباب أسطورة رواها المؤرخون ، والذين كتبوا في الاخلاق ، ورددها الشيوخ والخطباء على المنابر ، ولم يخطر لأحد ان يناقشها ويفحصها ، بل تلقاها الجميع ، كما يتلقون البديهات وهي في اعتقادنا كذب لفقه المنصور ، لتحقيق غاياته ومآربه . وهذه خلاصة الأسطورة : كان المنصور يطوف ليلا في بيت اللّه الحرام ، فسمع قائلا يقول : اللهم إنا نشكوا إليك ظهور البغي والفساد ، وما يحال بين الحق وأهله من الظلم .