محمد جواد مغنية

141

الشيعه والحاكمون

الناس بالدين ، وتأثيره عليهم ، فاستمالهم عن طريقه وألف هيئة دينية تواليه وتؤازره ، وتظاهر بالخوف من اللّه ، وفي الوقت نفسه نشر المظالم والمآثم ، أي انه جمع بين الافساد في الأرض ، واظهار التسبيح بحمد اللّه والتقديس له ، ومن هنا قال المؤرخون كانت أخلاقه مزيج من الخير والشر ، ولكنهم عجزوا ان يقدموا دليلا واحدا على حبه الخير للخير ، اما ما تراءى لهم انه من الخير فهو نفاق ورياء . جاء في « العقد الفريد » ج 1 ص 41 : ان المنصور كان يجلس ، ويجلس إلى جنبه واعظا ، ثم تأتي الجلاوزة - الشرطة - في أيديهم السيوف ، يضربون أعناق الناس ، فإذا جرت الدماء ، حتى تصل إلى ثيابه يلتفت إلى الواعظ ، ويقول له : عظني ! . فإذا ذكره الواعظ باللّه أطرق المنصور كالمنكسر ، ثم يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق ، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانية قال لواعظه : عظني ! . . . وان قول المنصور لواعظه ، عظني ، يدل على واحد من اثنين : إما على استهزائه بالدين ، وسخريته من القرآن الذي نهى عن قتل النفس وسفك الدماء ، وإما على أن الناس في عهده قد بلغوا من البلاهة حدا يلبس عليهم بأن الليل نهار والنهار ليل ، وحاول بعض المؤلفين الجدد ان يفسر أمثال هذه الظاهرة بازدواج الشخصية ، وان المنصور يخضع في تصرفاته لأمرين : خلق التدين ، وحب الملك فهو يستمع للواعظ بدافع الايمان ، وهو يسفك الدماء بدافع توطيد الحكم . وهذا التفسير خطأ واشتباه ، فليس في الواقع إلا شيء واحد ، وهو الذات الأثيمة ظهرت في مظهرين : مظهر الظلم والقتل ، ومظهر التمويه والدجل ، رأى المنصور ان الرعية يعجبها ان يتصف الخليفة بخشية اللّه ، والخوف منه ، وان تظن به الرغبة في الاستماع لارشاد المرشدين ، وتقريع الواعظين ، فقربهم منه ، واستمع إليهم باذنه ، وأعطاهم الأموال ، لينشروا بين الناس ان خليفتهم يخشع لذكر اللّه ويبكي إذا ذكر اليوم الآخر .