محمد جواد مغنية

120

الشيعه والحاكمون

أرواحهم الطاهرة في سبيلها أفادت الحق في ذاته ، وحركت الضمائر المؤمنة ، وحسبك ان تعلم أن مقتل الحسين ذهب بالدولة السفيانية ، وان مقتل زيد ذهب بالدولة المروانية ، وأزال اللّه حكمها ، وحقت كلمة اللّه : « وتلك الأيام نداولها بين الناس » . وقد اجمع أهل العلم على أن زيدا كان عالما غزير العلم ، واسع الأفق ، مستبحر المعرفة ، علم آراء الفقهاء ما بين حجازيين وعراقيين ، ولم يجتمع العلماء على تقدير عالم ، كتقدير زيد ، فأهل السنة والشيعة والمرجئة والمعتزلة قد اجمعوا على إمامته في العلم ، وانه كان حجة في الفقه ، ولقد اعتبر العلماء ثورة زيد على الطغيان ثورة أهل العلم والزهد ، وذكر بعض المؤرخين ان الذين قاتلوا مع زيد كانوا من الفقهاء والقراء . وقد تتلمذ عليه أبو حنيفة سنتين ، وقال : شاهدت زيدا ، فما رأيت في زمانه أفقه منه ، ولا اعلم ولا اسرع جوابا ، ولا أبين قولا ، لقد كان منقطع النظير ، وقال أيضا : لو علمت أن الناس لا يخذلونه ، كما خذلوا أباه ، لجاهدت معه ، لأنه امام حق ، وقد أعنته بمالي ، وبعثت اليه بعشرة آلاف درهم ، واعتذرت اليه ، وهكذا نرى ثورة الفقهاء والقراء والمحدثين وأهل التقى . وقد تحلى زيد بن علي بصفات شخصية تنزع به إلى العلم النقي الصافي ، وان تلك صفات الصفوة من آل علي بن أبي طالب ، فكأن السجايا العلمية ، والخلقية الكريمة ميراث يتوارثه أولئك العلية الأكرمون من آل النبي ( ص ) وكأنه تجري في نفوسهم الاخلاق النبوية ، كما تجري في عروقهم الدماء النبوية الطاهرة الزكية ، وما من صفة من اي امام من أئمة آل البيت الا وجدت فيها عبقة نبوية ، وهمة علوية ، ولذلك كان أئمة آل البيت موضع اجلال كل معاصريهم ، لا فرق بين شيعي وغير شيعي ويرون فيهم سجايا ومواهب ليست في سائر الناس ، فأبو حنيفة لا يرى في جعفر الصادق الا علما عاليا وخلقا ساميا ، ولا يعدل به وبأبيه محمد الباقر أحد ، ومالك كان يجل جعفر بن محمد ، ولا يرى في المدينة من يساويه .