محمد جواد مغنية

84

فضائل الإمام علي ( ع )

والّذي تبيّن معنا من سيرة عليّ في الحكم أنّ له نظرة خاصّة إلى مهمة الإمام والحاكم ، وأنّ وظيفته لا تنحصر بحفظ الحدود ، وإقرار النّظام ، وفرض الانضباط على النّاس ، ولا بحفظ الدّين والشّريعة ، وإقامة الفرائض فقط ، بل هناك مسؤولية أخرى تقع على عاتق الرّاعي ، وهي الاهتمام بحاجة المحتاجين ، وعوز المعوزين . فإن عجز عن سدّ هذا العوز ، وحالت الظّروف والأوضاع الرّاهنة دونه وجب عليه أن يقدر نفسه بأدنى أفراد الرّعية ؛ وأكثرهم فاقة ، ليشعر كلّ بائس ومحتاج بأنّه أصبح في ذمّة الرّاعي ، وأنّ الرّاعي مسؤول أمام اللّه والنّاس عن مظالم البائسين وآلامهم ، وأنّ لهم الحقّ كلّ الحقّ أن يسألوه ويحاسبة وه إذا استطاع ، ولم يفعل ، أو عجز ولكن استأثر عليهم ، ولو بحبة خردل ، تماما كما يحاسب ربّ العائلة اتّجاه أهله وأولاده ، وقد جاء في الحديث الشّريف : « أنّ السّلطان العادل كالوالد الرّحيم » « 1 » . وكلام أمير المؤمنين صريح في ذلك ، فمن كتاب له إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة : « ولو شئت لاهتديت الطّريق ، إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ . ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة - ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشّبع - أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل « 2 » :

--> ( 1 ) انظر ، الكافي : 1 / 407 ح 8 . ( 2 ) ينسب هذا البيت لحاتم بن عبد اللّه الطّائي كما جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 288 ، وديوان الحماسة بشرح الزّرقاني : 4 / 1668 .