محمد جواد مغنية

67

في ظلال الصحيفة السجادية

( وأغنانا بفضله ، وأقنانا بمنّه ) الإقناء : ما يقنى ، ويدخر من المال لوقت الحاجة ، وما من شيء على الإطلاق إلا وللّه فيه تقدير وتدبير ( ثمّ أمرنا ليختبر طاعتنا ، ونهانا ليبتلي شكرنا ) أمرنا سبحانه بما يعود علينا بالخير ، والصّلاح ، ونهانا عن كلّ شرّ وفساد ، ومعنى هذا أنّ التّكليف أمرا ، ونهيا هو المحك الّذي يميز ، ويفرق بين الخبيث ، والطّيب ، والعاصي ، والمطيع ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ « 1 » ( فخالفنا عن طريق أمره ، وركبنا متون زجره ) تركنا ما أمر به ، وفعلنا ما نهى عنه ! ولماذا ؟ أبدا ، لا لشيء إلا لسلطان الهوى ، وحلاوة الدّنيا ( فلم يبتدرنا بعقوبته . . . ) يمهل سبحانه العاصي حتّى كأنّه ما أساء ، ولا عصى ولو عاجله بالعقوبة لكان ذلك حقا ، وعدلا ، ولكنه لم يفعل ، ولما ذا ؟ لأنّ من شأن الإله أن يحلم ، ويرحم ، وأن يؤجل ، ويمهل ، لعلّ الّذي أسرف على نفسه أن يتداركها بالتّوبة ، والإنابة ، ولا شيء أبغض إلى اللّه من أن يشقى عبده بعذابه ، ولا أحبّ إليه من أن ينعم بثوابه . والحمد للّه الّذي دلّنا على التّوبة الّتي لم نفدها إلّا من فضله ، فلو لم نعتدد من فضله إلّا بها لقد حسن بلاؤه عندنا ، وجلّ إحسانه إلينا وجسم فضله علينا ، فما هكذا كانت سنّته في التّوبة لمن كان قبلنا ؛ لقد وضع عنّا ما لا طاقة لنا به ، ولم يكلّفنا إلّا وسعا ، ولم يجشّمنا إلّا يسرا ، ولم يدع لأحد منّا حجّة ، ولا عذرا ، فالهالك منّا من هلك عليه ، والسّعيد منّا من رغب إليه .

--> - الوسائل : 2 / 415 ح 9 ، الدّعوات للراوندي : 56 ح 141 ، بحار الأنوار : 73 / 157 ح 3 . علما بأنّ الشّيخ قدّس سرّه أورد آخر الحديث بلفظ : ( وإنّما يكفرها سعي الرّجل على عياله ) . ( 1 ) آل عمران : 179 .